لم يتوقّع الرئيس المكلَّف أن يُطلب منه تشكيل حكومة يتنازع فيها القرار السياسي "حزب الله" والعماد عون لصالح أطراف إقليمية تدعم الإنقلاب على حكومة الوحدة الوطنية
كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء": في مقارنة بسيطة للواقع السياسي والإقليمي الذي كان سائداً عشية تكليف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة الجديدة والواقع السائد حالياً، تظهر فروق وتبدلات واضحة المعالم في العديد من الأوضاع، وهي بمجملها أثّرت سلباً على عملية التأليف وزادت من التعقيدات التي تحيط بها، بالرغم من محاولة أطراف تحالف الثامن من آذار الذين باتوا يشكلون الأكثرية النيابية في الوقت الحاضر على الأقل، تجاهل هذه التبدلات وكأنها لم تكن، واستمروا في سياسة المكابرة وكأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق، مما أدخل البلاد في حال من الفراغ السياسي من جراء عدم قدرتهم على تأليف حكومة جديدة قادرة على تولي السلطة وإدارة البلاد في مواجهة أخطار التهديدات والتداعيات السلبية لموجة الثورات والانتفاضات التي تنتقل من دولة عربية إلى أخرى بسرعة قياسية حتى أصبحت على حدود لبنان في الوقت الحاضر.
ولم تكن حسابات أطراف التحالف المذكور المدعوم من سوريا وإيران تنطلق من إمكانية انتشار هذه الانتفاضات العربية بهذه السرعة لدى إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري في نهاية العام المنصرم بإيعاز من دمشق وطهران كما هو معلوم، بل كان الاعتقاد السائد بأن حدود هذه الثورات لن يتجاوز دولة عربية واحدة هي تونس أو مصر في حدّه الأقصى، وهما دولتان على خصام مستمر مع سوريا وإيران في المسائل الاقليمية والدولية، ولذلك، سيبقى تأثير ما حصل في هاتين الدولتين محدوداً على لبنان والواقع السياسي القائم فيه تحديداً.
ولكن مع تمدد الاحتجاجات العارمة الى اليمن ثم انتقالها الى ليبيا وتحولها الى ثورة عارمة ضد النظام الليبي فيما بعد، ثم تمدد هذه الاحتجاجات الى سوريا نفسها ولو بأقل حدة عما يحصل في باقي الدول، بدأت مؤثرات ما يحصل على الداخل اللبناني تتغير تدريجاً نظراً لانحسار فاعلية الواقع السياسي الذي أدى الى اسقاط حكومة الوحدة الوطنية ونجم عنه تكليف الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة الجديدة بعد انشغال القيادة السورية بمعالجة مطالب المحتجين السوريين وتقلص قدرتها على ممارسة نفوذها السابق على الساحة الداخلية اللبنانية خلافاً لكل الإدعاءات التي يتشبث بها بعض حلفائها في لبنان للاستقواء على خصومهم السياسيين في الصراع السياسي الدائر كما درجوا على ذلك من قبل.
وفي الداخل، لم يكن الرئيس نجيب ميقاتي يتوقع لدى وقوع الخيار عليه من قبل التحالف المذكور ليكون مرشحه لرئاسة الحكومة الجديدة، ان تظهر عقبات التأليف الاساسية والمعقدة من قبل حلفائه كما هو حاصل في الوقت الحاضر، استناداً الى الوعود البراقة التي أُغدقت عليه لاغرائه بقبول هذه المهمة والعزم على تقديم كل التسهيلات والتنازلات المطلوبة لتمكينه من إنجاز عملية التأليف بسرعة قياسية لن تتعدى أياما معدودة كما وعدوا اللبنانيين بذلك.
كان في اعتقاد رئيس الحكومة المكلف ان الصعوبات تكمن في تخطي اعتراضات تحالف قوى 14 آذار على تكليفه وتفكيك الغام الرفض شبه القاطع لاسلوب ايصاله الى سدة رئاسة الحكومة بضغط سلاح حزب الله الذي انتشر في شوارع العاصمة عشية التكليف لترجيح تسميته في مواجهة الرئيس سعد الحريري الذي يحظى بدعم وتأييد اغلبية النواب السنّة ومجمل السنّة في كل لبنان• كذلك كان همّ رئيس الحكومة الجديدة تبديد مواقف الدول العربية المؤثرة كالمملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج من مسألة تكليفه التي ما تزال حتى اليوم يدور حولها لغط وتساؤلات واستفسارات عديدة كون هذا التكليف حصل في خضم الخلاف الدائر حالياً بين هذه الدول مجتمعة مع ايران الحليف الاساسي لحزب الله الذي دعم ترشيحه لتولي رئاسة الحكومة في مواجهة رئيس حكومة الوحدة الوطنية المستقيلة سعد الحريري، في حين لم يكن موقف الدول الكبرى كالولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وبريطانيا اقل التباساً وحذراً وتوجساً مما حصل، بعدما روج اطراف التحالف السوري الايراني بأن المهمة الاساسية للحكومة الجديدة هي قطع علاقات الدولة اللبنانية مع المحكمة الدولية الخاصة بملاحقة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ووقف تمويلها وتشريع وجود سلاح <حزب الله> بأقل قدر من الضوابط المفروضة عليه.
لم يستطع الرئيس المكلف إستنساخ تجربة ترؤسه للحكومة التي اشرفت على اجراء الانتخابات النيابية في ربيع العام 2005، لتبدل الظروف السياسية والوقائع وعدم قدرته على تجاوز الانقسام السياسي الذي تسبب بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية خلافاً للتفاهمات السابقة أولاً ولتسميته رئيساً للحكومة البديلة بدعم وتأييد من "حزب الله" وبمعزل عن التفاهم السياسي المسبق مع سائر الاطراف السياسيين وتحديداً تيار المستقبل وحلفائه ثانياً•
واخيراً لم يتوقع رئيس الحكومة المكلف ان المطلوب منه تشكيل حكومة يتنازع فيها القرار السياسي بشكل رئيسي "حزب الله" وحليفه رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون على حساب سائر اطراف التحالف المشاركين في الحكومة ولصالح الاطراف الاقليمية الداعمة للانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية المستقيلة.
وفي ضوء الوقائع والمتغيرات العربية والاقليمية، يحرص الرئيس المكلف على عدم المجازفة بأي خطوة او تصرف غير محسوب، لانه مقتنع بأن ظروف تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، تختلف كلياً عن ظروف التشكيل السائدة حالياً والتي تتطلب التعاطي معها بحكمة وحذر بالغين، لئلا ينعكس اي تصرف غير محسوب بضرر لا يمكن تقدير نتائجه.