ليس في وسع الذين يمتهنون إشعال الحرائق السياسية والامنية والاستخبارية في الشرق الاوسط والخليج، اتهام غيرهم باللعب بالنار.
لهذا من المستغرب او بالاحرى من المضحك ان يصدر بيان عن لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الثورة الايراني يطالب بانسحاب القوات السعودية من البحرين ويتهم الرياض بـ"اللعب بالنار" في الخليج.
وجه الغرابة في هذا، ان العالم يعرف من اقصاه الى اقصاه ان ايران هي التي تلعب بالنار، ومنذ زمن بعيد، بدأ مع الاعلان عن تصدير الثورة في بداية الثمانينات، وسبب ازمات ومشاكل كثيرة كانت قمتها حرب الخليج الاولى مع نظام صدام حسين البائد.
هذا في الماضي اما في الحاضر فاللعب الايراني بالنار مستمر في تقديم عروضه في امكنة كثيرة. اما الاطفائية فهي خليجية وسعودية خصوصا. فالحديث عن شبكات التجسس الايرانية كما اعلن في الكويت ليس آخر الابداعات التي تأتي من طهران. فقد عرف العالم في الاسابيع القليلة الماضية، ان دخول ايران على خط المفاوضات التي كانت تجري بين السلطة في البحرين والمعارضة الشيعية، هو الذي افشل هذه المفاوضات وتسبب في ازمة "دوار اللؤلؤة" اذا صح التعبير، بما استدعى طلب المنامة مساعدة مجلس التعاون الخليجي، الذي ارسل وحدات محدودة من "درع الجزيرة" لحماية المؤسسات وحفظ الأمن.
❑ ❑ ❑
كان على طهران ان تحترم على الاقل رغبة الجزء الاساسي من المعارضة البحرينية الشيعية، التي طالبتها صراحة بعد هدوء الوضع بان تكف عن التدخل في شؤون البحرين. لكن النظام الايراني يصر على التصعيد والتعقيد، ورغم هذا يتهم السعودية بـ"اللعب بالنار" في الخليج، وهو امر بلا معنى لان من الواضح والمعروف ان السعودية لعبت وتلعب كما قلنا دور الاطفائية العاملة منذ اعوام على معالجة الحرائق والنيران، التي تشعلها طهران في اكثر من مكان. فقد نسفت "اتفاق مكة" بين الفلسطينيين كما هو معروف، وآزرت سياسة التعطيل في لبنان، التي انتهت بما تسميه قوى 14 آذار الانقلاب على الشرعية الدستورية والانتخابية الذي نفذه حلفاؤه في بيروت. وها هي تحاول ابقاء الحريق عالقا في اذيال البحرين.
وعندما يقرأ المرء بيان مجلس الشورى السعودي الذي يقول: "ان البيان الايراني غير مسؤول لانه تضمن ادعاءات باطلة وتطاولا سافرا على المملكة العربية السعودية وانه يؤجج نار الطائفية"، فانه يتذكر سريعا مدى الخطورة المتزايدة وقد وصلت الى حد الافتراق الحساس في موقف الشيخ السني يوسف القرضاوي، وآية الله الشيعي علي السيستاني، من موضوع البحرين، رغم انهما من ابرز رموز الاعتدال والحض على منع الانقسام المذهبي الذي يخدم اعداء الاسلام.
وهكذا لم يكن مفاجئا ان يصدر المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي بيانا يدين بشدة التدخل الايراني في شؤون البحرين الداخلية "الذي يمثل انتهاكا للمواثيق الدولية ومبادئ حسن الجوار" مؤكدا مشروعية وجود قوات "درع الجزيرة" في البحرين بناء على طلبها.
وعندما يصدر بيان عن دول المجلس الست يعرب عن القلق من استمرار التدخلات الايرانية في الشؤون الداخلية لدول المجلس ويصف هذه التدخلات بأنها "تآمر على امنها الوطني وبث للفرقة والفتنة الطائفية وانتهاك لسيادتها واستقلالها…" فإن ذلك يعني في شكل واضح، ان هذه الدول قررت الانتقال من سياسة التغاضي والصمت والمسايرة والمراهنة على المبادرات الحسنة النية حيال الهجوم الايراني المستمر، الى سياسة الرد والهجوم ووضع النقاط على الحروف.
❑ ❑ ❑
واذا كان هذا القرار بالتصدي لجبه التحديات الايرانية، لن يردع طهران عن المضي في سياسة اللعب بالنار سياسيا واستخباريا وحتى أمنيا، لانها كما يقولون تتصرف على انها امبراطورية تريد فرض ارادتها ومصالحها من عمق الخليج الى شواطئ المتوسط وما بعد هذه الشواطئ، فان ذلك يمكن ان يضع معظم العرب في موقف حساس وحرج لسببين:
اولا: لان ايران تفترض ان ثورات التغيير العربية المندلعة الآن هي مجرد روافد سياسية ستصب في مصلحتها، كما نقل عن مرشد الجمهورية علي خامنئي اول من امس، وهذا ليس صحيحا، ليس لأن حركة التغيير داخل ايران مقموعة لكنها لم تنته فحسب، بل لان التغيير في العالم العربي سيضاعف من حماسة الايرانيين حيال حركة التغيير الخضراء عندهم.
ثانيا: وهو الاهم لان ليس في وسع الشيعة في العالم العربي من المحيط الى الخليج ان يبتلعوا او يهضموا على سبيل المثال كلاما كالذي سمعوه امس من الرئيس محمود احمدي نجاد عندما دعا الى "رحيل القوات الاجنبية من البحرين"، قائلا: "ان من المشين ارسال قوات الى بلد اجنبي فاسحبوها".
والبحرين ليست بلدا اجنبيا والقوات السعودية والاماراتية هناك ليست قوات اجنبية. فاذا كانت طهران تنظر فعلا الى دول الخليج على انها اجنبية، فان ذلك لا يرضي او يتلاءم او يمكن ان يقبله الشيعة العرب وخصوصا الذين يتبرمون بكل شيء اجنبي!