سأتكل على الله يا اخوان، وأفترض بداهة ان اللبنانيين في الإجمال لم "يتلمّسوا" تماماً بعد تأثيرات الانقلاب شبه المسلح الذي أطاح حكومة الرئيس سعد الحريري، وجاء بمن يحاول عبثاً إعطاءه غطاء شرعياً.. لا يبدو انه سيغطي أحداً، بل لا يبدو انه سيكون كافياً لتغطية الذات الأمّارة بالهوى والسوء والطموحات السود سواء بسواء.
ليس تعليق العمل اليومي الخاص بالانتاج الحكومي في كل مجالات الحياة، كافياً حكماً للدلالة على عقم ما حصل وتأثيراته السلبية المباشرة. وليس تعميق الانقسام وإيصاله الى ذرى قطيعة غير مسبوقة حتى في عزّ أيام الحرب، أيضاً كافياً لانتاج الصورة التامة. بل يبدو ان الدسم الفعلي سينضج في حال ظل الانقلابيون على خطاهم سائرين ضاجّين، مبسوطين، مفرفشين فرحين بـ"انتصارهم"!
والحال هو ان كثيرين يسألون ببراءة وقبل الوصول الى ذلك الضنى، عن كيفية المواءمة بين أهداف الانقلاب الخاصة بالقطع مع المحكمة الدولية وبين المصلحة الوطنية العامة، ثم المصلحة الشخصية الخاصة ببعض طرابيش الانقلابيين.. وبعد ذلك عن كيفية صياغة موقف يجمع المتناقضات التي يعلن الرئيس المكلف التزامه بها. تارة في دار الفتوى وطوراً (بعيداً عن العلن) في دارات أخرى في الضاحية وغيرها.. وفي بيروت وغيرها؟!
..لم تنضج، كل التبعات الكبيرات للانقلاب غير المكتمل. وعندما يكتمل، أو إذا اكتمل، فإننا سنكون أمام مشهد غير مسبوق في تاريخ الجمهورية، حتى في أيام الحرب واعتبار بيروت "كرنتينا" من قبل الأميركيين وغيرهم. وفي ذلك أجراس ترنّ في آذان اللبنانيين في الإجمال، وفي آذان أهل الانقلاب وطربوشهم قبل غيرهم.
تبعاً لذلك، يعنّ على بال الكثيرين افتراض ديمومة للحالة الراهنة. وعدم القدرة على الوصول الى نافذة يطلّ منها الانقلابيون على الناس بحكومة من لون واحد، أو توجه واحد أو حزب واحد (!) ملوّن بزينة تمويهية لا بد منها.
انه بهذا المعنى، نصف انقلاب حتى الآن. والهدف الأول له تحقق من خلال تشليح الأكثرية أكثريتها، وإسقاط الحكومة، لكن يبدو انه سيبقى كذلك ولفترة زمنية طويلة (؟). وفي هذه الأثناء، يمكن للحزب القائد والرائد أن ينتشي بعبثيته وحساباته القاصرة وآرائه الآتية في جذرها، من أماكن نائية بعيدة عن لبنان وطبيعته السياسية وأحكامه الثابتة والراسخة. كما يمكن لمكبّر الصوت "الجنرال أبو مدفع" أن ينتشي بنوباته ما شاء له ذلك، طالما ان الحبل فالت على غاربه، وطالما ان الأخلاق السياسية والشخصية لا تزال عنده، في إجازة طويلة، مُحكمة ومديدة. وطالما ان المعني الأول بها، طربوش الانقلاب، اختار سياسة "التطنيش" مفترضاً على الدوام ان الدنيا تمطر.. ليس إلا! عجيب!