لم يكد حزب الله وحلفاؤه يحتفلون بإسقاط حكومة الحريري، حتى بدأت الأزمة في مكان ما لم يتوقعه حتى اكثر المتشائمين بنجاح الاكثرية الجديدة في عبور المرحلة الانتقالية الى جنّة الحكم.
ولم يحاول الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، حين اكد في خطابه الاخير على ان الحكومة ستشكل وبرئاسة ميقاتي، سوى إعطاء جرعات من المُسكّن لأغرب مسار سلكته قوى 8 آذار، منذ ان قررت قلب الطاولة على الحريري، فبدا المنقلبون وكأنهم، من دون ان يخططوا او يدروا، قد قلبوا الطاولة على انفسهم بحيث باتوا في قلب العاصفة، في وقت تحوّل فريق 14 آذار الى متفرج، مع بعض الشماتة بحزب الله الذي كاد يغرق في رمال متحركة، أوصل اليها قراره بإسقاط الحكومة كردّ اولي على المحكمة الدولية.
وربما لا يعكس الخطاب العلني لقوى 8 آذار حجم المشكلة وأبعادها الحقيقية، فما يُقال عن ميقاتي في السِرّ يفوق أضعاف ما يوجّه اليه من انتقادات في العلن، وتكفي نماذج من هذا الكلام لتصوير حجم الاستياء من ميقاتي الذي يَصل الى حد إبداء الشعور بخيبة الأمل والندم على اختياره لتشكيل الحكومة، هذا الاختيار الذي انقلب من رهان على قدرته على المواجهة اقتصاديا وسياسيا، الى استياء من عدم قدرته على الخروج من عقدة الاستظلال بالطائفة.
والآن، وبعد اكثر من شهرين على التكليف، فإن مسؤولية التعطيل خلعت لباس الالتباس والغموض، فأصبح حزب الله وحلفاؤه امام الرأي العام اللبناني مجرد قوى متعثرة تغرق في حرب الحصص والتوازنات، ونال فريق 14 آذار من خصومه شهادة حسن سلوك بمفعول رجعي يَصل الى العام 2005، وما تلاها من محطات تعطيلية بدأت بفرض تشكيل حكومات الوفاق الوطني، ومرّت بانسحاب الوزراء والاعتكاف، وعرجت على استعمال خيار التهديد باستعمال القوة لمنع أكثرية العام 2009 من تشكيل حكومتها، ولم تنتهِ بإسقاط حكومة الحريري بقوة القمصان السود، ولم يعد ينفع الاختباء وراء 14 آذار لتبرير الاكثرية الجديدة فشلها في التوفيق بين نَهم مكوّناتها لامتلاك الحصص والأثلاث المعطلة.
وللمرة الاولى، يبدو المشهد اقرب الى وصف الصورة الحقيقية: فحزب الله يقف عاجزا عن التوفيق بين حلفائه، وهو من جهة لا يريد ان يعرّض علاقته بالعماد عون للخطر، اذا ما تجرّأ على الضغط عليه لخفض مطالبه، وهو من جهة ثانية يقف عاجزا امام ميقاتي الذي وجد ان اختياره كان صنّارة نجاة لحزب الله يمكن استثمارها لتوسيع الهامش الناتج عن الحالة الماسّة للأكثرية الجديدة الى حصان معركة يَقف في وَجه الحريري.
وما يزيد من إرباك حزب الله، قيام ميقاتي بشبك علاقة حياة او موت مع رئيس الجمهورية، أدّت الى تركيب محور حقيقي قادر على كبح جماح العماد عون، وبذلك فرض كل من سليمان وميقاتي على الحزب أن يتعامل معهما كأنهما فريق واحد قابل لأن يصبح اكثر تماسكا، اذا ما انضمّ اليه النائب وليد جنبلاط، او اذا ما قرر الرئيس نبيه بري ان يتعاون معه واقعيا.
وبانتظار كلمة السر السورية التي لم تأتِ بعد، والتي لا ينتظر ان تأتي قريبا، نظرا الى انشغال القيادة السورية بما يجري في الداخل السوري، يستمر ميقاتي بمشاغلة حزب الله وإنهاك عون من خلال لعبة الوقت، متسلحا بعدم وجود اي نص دستوري يحدد له مهلة لتشكيل الحكومة، او يفرض عليه آلية للاعتذار عن التشكيل، وما نقل عن ميقاتي في الايام الماضية يؤكد ان الرجل يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه. ولأنه، وإن كان سيتحمّل جزءا من مسؤولية التعطيل، فإن الجزء الاكبر سيحمله حزب الله والعماد عون الذي لم يتردد، بإيعاز من حزب الله، بالتلميح الى إمكان اختيار شخص آخر لتشكيل الحكومة، وهو إنذار للرئيس المكلف حرصت قوى 8 آذار على نفي وجوده، وهي لن تعترف به إلاّ متى قررت بدء معركة اسقاط تكليف ميقاتي.