Site icon Lebanese Forces Official Website

شركة ومحبة للبنان واقتصاده

عنوان عهد البطريرك الماروني الجديد لانطاكية وسائر المشرق مار بشارة بطرس الراعي ومهمته، "شركة ومحبة"، يصح تماما للعاملين الروحي والزمني.
فالشركة الروحية هي التزام الجماعة فعل الخير وتقدير واحترام الكنيسة المسيحية الغربية والشرقية وما تنشر من افكار وتعاليم مستقاة من كلام المسيح المعلم الاول والتعاون والتعاضد والتلاحم في درء اخطار الشرور ومقاومة الانحراف والخروج عن الموصى به.

والشركة الروحية هي ايضا الجسور العريضة المبنية بين رجال الكنيسة والعلمانيين لتمتين دعائم الكنيسة وتعميق ايمان المجتمعات ورفعها عن مستوى مستنقعات الفساد المالي والاخلاقي. فالشركة الروحية تجسيد تاريخي وزمني ويومي لكلام المسيح من اكبر عدد من البشر. وبقدر ما يكون من التعبير اكثر توسعا وشمولية، تكون الشركة الروحية قد امتدت افقيا بين البشر وعموديا صوب الله ومرسليه، وتكون احرزت انتصارات مهمة على القوى المناهضة لألوهية الروح ونقاوتها. كما ان الشركة الروحية في المجتمعات المتعددة الدين مشاركة الآخر في ايمانه بالله وفي القيم الانسانية التي تعلمها الكتب السماوية، والفلسفات الروحية. وللمحبة الروحية عنوان كبير: عدم اذية الآخر. فالكذب، والشهادة بالزور، والسرقة، والاشتهاء، والزنى، والشهوة، والحسد، والنهم، والظلم، ونشود السلطة للمجد الواهي، كلها افعال تغرز في رأس المحبة اكاليل شوك كثيفة وتجلدها مئات الجلدات وتثقب راحتيها بأصلب المسامير، لان المحبة الروحية قبول وتسامح ومساعدة.

الشركة في العالم الزمني وتحديدا في العالم الاقتصادي تظهر بين الافراد وتتجلى في وحدة المصلحة والمصير والحوار بين الافكار والحضارات والمشورة في وضع الخطط والبرامج والتنافس في تحقيق النوعية العليا وبذل الجهد المشترك لاحتلال موقع مرموق بين الامم. وتحتل هذه الشركة موقعا رئيسيا بين الحكام والشعوب يقضي بان يتشارك الفريقان في اعلاء شأن وطنهم وخدمة قضاياه، كما تفترض هذه الشركة ان يشرك الحاكم الناس في الافادة من توزيع عادل للثروة الوطنية، ومن انفاق الدولة على توفير المقومات الاساسية لحياة بشرية لائقة كالصحة والتعليم والكهرباء والماء والاستشفاء والمواصلات والاتصالات وعلى توفير مناخ محفز للاستثمار متمثل بادارة فاعلة وقضاء سريع وعادل وقوانين وانظمة وخصوصا ضريبية مشجعة. والشركة في العالم الزمني تتطلب ايضا احترام الحكام لحقوق الناس، ففي الشرق شبه ايمان كبير وممارسات كثيرة للشعائر الدينية مع احترام والتزام شبه غائبين لحقوق الشعوب، وفي الغرب شبه ايمان قليل وممارسات نادرة للشعائر الدينية، ولكن مع شبه تقديس لحقوق الانسان. فما الافضل؟ ارتياد اماكن العبادة والتفريط في حقوق البشر، ام تقليله مع التمسك بحقوق المواطنين؟ حقوق اللبنانيين مهملة، لا بل مداسة ومرمية في بئر المهملات، الهجرة الاقتصادية القسرية للشباب، عدم توافر فرص العمل، تراكم الخسارة من عدم الافادة من مثل هذا المورد البشري المهم، الاوضاع شبه المتخلفة للكهرباء والماء والطرق، وايضا الضمان الاجتماعي، غياب الانماء الريفي، وجع المزارع، ضياع الصناعي، قلق المصرفي على رغم ارباحه، تجهم الفندقي، الابتسامة الساخرة للشباب وحذف كلمة "مستقبلنا في لبنان" من اجنداتهم…

اما المحبة في العالم الزمني بين الافراد، الاعتراف بالآخر، فعندما نحترم وزنات الآخر ونقر بها، نحترم الله فيه. قبول المنافسة، احترام حرية الآخر، الانفتاح على الحضارات والثقافات، نبذ العداء والعنف مظاهر اخرى لها. اما المحبة في العالم الزمني بين الحكام والشعوب فتقتضي الا يفرحوا وحدهم بل ان يسعدوا شعبهم، فالانانية والتسلط والاثراء والتشبث بالسلطة كلها افعال مناهضة للمحبة، فالسلطة اهم اختبار للانسان يضعه الله فيه، فكما اوكل الى رجال الدين بلسمة الروح وتنقيتها، اوكل الى هؤلاء مهمة المحافظة على الناس وابعادهم عن البؤس والمرض والبطالة والفقر. لذلك فان سلامة القرار الاقتصادي والمالي وفاعليته اساسيتان في نجاح الحاكم ولذلك شدد قداسة البابا في احدى رسائله الاخيرة على ضرورة ان يكون الحاكم ملما بالمسائل الاقتصادية.

"شركة ومحبة" هما ايضا من اهم مرتكزات الدولة المدنية التي تسعى عموما الى الافادة القصوى من وزنات مواردها البشرية والى تعزيز مستوى ونوعية حياة شعبها، كما تفتح الابواب واسعة امام اهل الكفاية والاختصاص والاخلاق لتوصلهم الى دفة القيادة. وهي عكس الدولة المذهبية تماما حيث يحتل الفساد والمحاصصة والصفقات والاختلاس صدارة الساحة السياسية والاقتصادية والمالية. "شركة ومحبة"، عنوان كبير ومهمة عظيمة يضطلع بها غبطة البطريرك الراعي، وهو باختياره اياه كمن يريدان يقول لنا ان هذه الشركة وهذه المحبة ليستا للروح فقط بل ايضا لامور الزمن والدنيا.

بقلم إيلي يشوعي
(خبير اقتصادي واستاذ جامعي)

Exit mobile version