قلبت الكثير من الأفكار قبل أن أكتب هامشي في الأمس، مع أنني كنتُ قد وعدتُ نفسي بالكتابة عن «ستريدا جعجع»، تقتلك أخبار العالم العربي ومجازره ودماء شعوبه التي تراق من أجل أن يظل «الحاكم الإله» حاكماً، وتغتالك أخبار لبنان الذي يعيش موتاً سريرياً متعمداً، فالعاجز لا يعتذر عن عجزه، والفاجرُ يتمادى في فجوره، وأصحاب الأجندة الصفراء يتحدثون إلى الناس من أطراف أنوفهم مخدوعين بظل عرش كسرى وإيوانه، قلبت كل هذه الأحداث، وعدت إلى ستريدا جعجع، تدهشني دائماً هذه السيدة كأنها رأس الرمح الحاد، ونصل السيف، ونفاذ السهم، جلست تتقدم الحاضرين في معراب إلى جانب «قامة» من لبنان اختارت الزنزانة على التآمر وبيع لبنان، يوم كان لبنان سجناً على امتداد كيلومتراته الـ10452 كان الزنزانة الضيقة في الطبقة الثالثة تحت الأرض أكثر اتساعاً من فضاء لبنان الذي ضاق عنا!!
وكنتُ قد تلقيت دعوة كريمة للمشاركة في ذكرى حل القوات اللبنانية في معراب حبسني عنها عجز بدني عن القيام والقعود بغير ألآلام عابثة لم تبارحني بعد فهزمني الاعتذار، أمام الشاشة كنتُ أتابع شهادات كثيرة تهز كل لبناني أدرك أن سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية في حزب القوات اللبنانية دخل السجن لأنه رفض إغراء الوزارة وعندما أدركوا أنه عصي على التطويع وأن صوته علا يطالب بتطبيق الطائف ظن البعض وهماً أن الصوت من تحت الأرض سيكون بعيداً، الاتفاق نفسه دفع رفيق الحريري حياته ثمناً عندما أيقن أن لا خلاص ولا قيامة للبنان من دون تطبيقه على رغم تجربة الرجلين المغايرة.
للمفارقة تشبه ستريدا جعجع في انتظارها بينلوب «رمز الانتظار والوفاء» لزوجها أُوديسيوس في «أوديسة» الشاعر الإغريقي هوميروس الذي عاش في القرن الثامن ق.م، ويرجح أن ظهور الأوديسة يعود إلى سنة 700ق.م، مع الفارق في كل هذا الزمن تظل ستريدا جعجع واقع فاق الأسطورة، في الفصل الحادي والعشرون من الأوديسة تظهر بينيلوب أمام المتقدمين لخطبتها في حجابها البراق وفي يدها قوس تركه أوديسيوس خلفه عندما أبحر إلى طروادة.. وقالت: مَن يستطيع ان يركب خيط القوس.. ويستخدم ذلك القوس في إرسال سهماً بهذا القوس خلال 12 حلقه في صف واحد سوف أتزوجه.
وأمرت بوضع الحلقات.. وكانت تعلم بينلوب انه قد يعتبر مجرد تحدٍ لهم، لكنه كان يمثل لها شيئا خاصا..لأنها كانت تعلم عدم إمكانية أي شخص أن يفعل ذلك ماعدا شخص واحد.. زوجها أوديسيوس ..كانت ترفض فكرة الزواج من غيره..وكان هذا سر تحديها.
ستريدا جعجع تجاوزت رمزية بينلوب بآلالاف المراحل، خبأت انتظارها في قلبها وأطبقت عليه بكفها، تستحق ستريدا جعجع أن نقول أنها سيدة النضال، منذ اللحظة الأولى التي انحسر فيها ظل سمير جعجع عنها ليمتد على مساحة قضية القبض على لبنان وإلقائه في زنزانة الاحتضار أو بئر يوسف، يوم باع العالم كله لبنان (بثمن بخس دراهم معدودات) خرجت تلك السيدة من خلف حجب الخوف صوتاً يسقط في كل يوم القناع عن حقيقة ما حدث، وتستحق ستريدا جعجع أن تكون سيدة الشجاعة، فقد طاردتها وحاصرتها وأمعنت في ترهيبها أجهزة ونظامين شقيقين ظلا يرتعدان طوال أحد عشر عاماً من صوت هذه السيدة ومن ظل ذلك القابع بعيداً عن أشعة الشمس حتى لا يتراء لهم ظله ولو على حائط…
… عندما تحاول سبعة عشر حولاً من الزمن يمر الشريط أمامك كل السنين التي رزحت بكب ثقل كوابيسها على لبنان، انحسر طوفانها وإن كانت أمواجها العاتية تحاول أن تضربه من جديد، ومن دون أدنى شك ستظل تحاول وان تكل أبداً سواءً كان الموج يعلو من وراء الحدود أو يندفع مجنوناً من مضيق هرمز، علينا أن نتأمل جيداً في وجه ستريدا جعجع، في انتصارها، خافت ولم تنكر خوفها، آمنت وأيقنت بصدق ما آمنت به، قدمت للبنان نموذج الحرية والشجاعة والنضال، كانت امرأة ـ أسطورة من لحم ودم، هزمت أساطير التاريخ، كان نضالها في تلك اللحظات ضوءاً يصرخ في وجه البائعين والمستوزرين والمستوبين وكتبة التقارير والمتهالكين واليائسين والمخدوعين والمقموعين أن لا تيأسوا، ومع هذا يأسنا، كانت ستريدا جعجع رمز النضال والمواجهة امرأة الحرية يوم عز الرجال في لبنان…
تلك الشامخة أمام الشاشة، تستحق هذه التحية بقدر ما يستحقها ذاك الرمز الآخر لنوع نادر من الرجال لا يفر من معركة ولا يهاب الصعاب ولا يتردد في التقدم قرباناً على مذبح تطبيق الطائف الذي حذف ذكر تطبيقه طوال خمسة عشر عاماً من البيانات الوزارية، لأنه كما قال الرئيس الشهيد رفيق الحريري: «شو بدك تروحنا يا مروان»، وحدهما سمير وستريدا جعجع أن الثمن سيكون باهظاً، فاختارا دفعه مبكراً عن لبنان وكل اللبنانيين، شاء من شاء الاعتراف لهما بذلك وأبى من أبى، كلاهما وجه لبنان الحرية هي في نضالها وهو في زنزانته.