أعادت عملية خطف الاستونيين السبعة الى لبنان مشهدا قديما طالما مَيّز حقبة كاملة من عمر الحرب الأهلية، فالعملية الخطيرة والغامضة بَدت وكأنها قد نفذت في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الدولة بأجهزتها الأمنية غائبة، وحين كانت الكلمة للسلاح غير الشرعي ولعشرات المنظمات الساكنة في الظلمة، والتي لا يعلن عن حقيقتها الا الاسم الذي غالبا ما يكون اسما وهميا تتداوله وكالات الانباء ويردده الناس ببغائيا، من دون ان تتاح لهم معرفة المحرّكين الحقيقيين لعمليات الخطف.
ولعلّ الأغرب في قضية الاستونيين ان التحقيق فيها قد سلك نصف الطريق، من دون ان يستطيع إكمال المهمة باتجاه معرفة مَن أمر بخطفهم، ومَن اعدّ العملية المتقنة، بالإضافة الى معرفة مصيرهم ومكان اختطافهم، وبالتالي السّعِي الى تحريرهم.
وما يزيد في غرابة هذا الملف، ما صدر عن الجهات الامنية المسؤولة بعد تنفيذ المداهمات واعتقال الجزء المنفذ للخطف، والعجز عن إكمال اعتقال رأس المجموعة "و.ع" الذي اختفى أثره، تاركا أسئلة كثيرة لم يستطع القادة الأمنيين الإجابة عنها إلا بعبارة واحدة زادت هي الاخرى في الغموض غموضا، وهي العبارة التي رجحت ان يكون الأستونيون قد اصبحوا "خارج الحدود".
واذا كان تحميل المسؤولية للاجهزة الامنية للتقصير في كشف ملابسات القضية، يمكن إدراجه في خانة التحامل على هذه الاجهزة، نظرا لما قامت به من جهود أدّت الى معرفة نصف الحقيقة، فإن استكمال التحقيق والوصول الى مكان احتجاز الاستونيين واطلاق سراحهم، سيكون التكملة للجهد الذي بذلته هذه القوى الامنية، التي شكلت ما يشبه غرفة العمليات الموحدة (مديرية المخابرات وفرع المعلومات) لتنفيذ المداهمات وإلقاء القبض على جزء من المجموعة المنفذة للاختطاف، ومحاولة الانتقال الى فهم الغموض المتعلق بالمكان الذي انتقل اليه رأس المجموعة، والمتعلق بالجهة التي كلفته وموّلته لتنفيذ العملية، إذ تبيّن ان الاخير نقد افراد المجموعة المال الذي وعدهم به لأنه شاركوه التنفيذ، ثمّ توارى.
واستكمالا لهذه المعطيات التي توصل اليها التحقيق، فإن تحديد مكان الاستونيين يبدو امرا صعبا جدا، نظرا لاتساع عدد الاحتمالات الممكن ان يَتم تقصّيها، ولا يمكن استبعاد اي من هذه الفرضيات، اذ يحتمل ان يكون هؤلاء قد وضعوا في احد الاماكن الآمنة داخل لبنان، والتي لا يمكن للقوى الامنية ان تصل اليها، كما يمكن ان تدرس فرضية ان يكونوا قد اصبحوا "خارج الحدود"، كما صرّح مصدر امني منذ ايام، وهذه الفرضية تنتظر التثبّت من وقائع محددة باتت في حَوزة التحقيق، وأبرزها ما يتعلق بالباص الذي استعمل في عملية الخطف، وهو كان مركونا قرب الحدود، وبِرَأس المجموعة الذي رُصد يغادر لبنان بشكل شرعي بعد يومين من تنفيذ العملية، وببعض الاعترافات التي أدلى بها رفاقه والتي ستساعد في إضافة اجزاء اساسية الى الصورة الناقصة لعملية الخطف.
على ان الاكثر دقّة في متابعة نتائج عملية الخطف، ما بات يتعلق بالاستقالة الطوعية للسلطة اللبنانية التي بدا وكأنها عاجزة عن امساك المبادرة، وتقديم اي معطى مفيد لأستونيا الباحثة عن إطلاق مواطنيها. والأخطر ان تضطر استونيا، في سبيل استعادة هؤلاء، الى الاضطرار للالتجاء الى "خارج الحدود".