بعضهم يخاف على اولاده ومستقبلهم في دولة "الدويلات" والاشباح المتنقلة التي بإمكانها أن تجعل من كل فرد جوزيف صادر، وبعضهم يخاف عليهم من "ملائكة" السلاح إذا ما قرروا تحويل ايامهم "اياماً مجيدة"، او تجسيد قداستهم بنصب خيم هنا وضرب اقتصاد هناك وتكبيل عمل المؤسسات واستباحة الدولة الحاضنة وانتهاك سيادتها. والبعض الآخر تحامل على عواطفه، ودفع باولاده الى المهاجر هرباً من رصاص طائش "ابتهاجاً" وبحثاً عن لقمة عيش كريمة لا تحد منها محسوبيات ولا تهددها مزاجية بعض السياسيين وولاءاتهم العابرة للحدود وحروبهم المتفلتة من أي حسابات، قبل ان يتفاجأ هذا البعض بمواقف طائشة لبعض السياسيين تلحق لعنتها بابنائهم خلف البحار.
هذه المخاوف لم تقلقني بقدر ثقافة الـ"شو فيا" التي ظهرت على الشاشات خلال تضامن اهالي السجناء مع تحرك ابنائهم. فوضع السجون المزري لا خلاف عليه، وربما يستحق توقيت التحرك التوقف عنده، وبالطبع الابعاد السياسية ومدى ارتباطه بشد الحبال الحكومي ايضاً، وربما يصلح الفرز الطائفي للمساجين في تحركهم كموضوع لبحث سوسيولوجي علمي، وقد يتوقف البعض عند طول بال القوى الامنية التي تعرضت لرمي الحجارة مراراً ووقفت تتفرج على قطع الطريق تكراراً امام السجن قبل ان تتدخل، ولكن الاخطر وجود انسان يبرر الاتجار بالسموم.
فقد اشرأبت إحداهن امام الكاميرا وزعقت: "انو شو بدهم، زوجي لا سرق ولا قتل ولا حتى تعاطى بس تاجر… "، وساندتها اخرى: " زوجي شو عمل تاجر ت يربي ولادو"، واظهرن حقداً دفيناً على القوى الامنية وعمدن الى استفزازهم وشتمهم… وكأنهن نساء مستنسخات عن "سرايا نساء عيادة الضاحية"… مشهد تكرر في بعلبك، حيث سأل احدهم: "هيدي العالم شو عاملة عم تتبهدل عشان كيس كوكــــ… (ويستدرك قائلاً: ) عشان زرعوا نتفة حشيشة…".
إنه منطق اللا منطق المتفشي وسط شرائح لبنانية، إنها ثقافة الـ"شو فيا" التي تبرر الاتجار بالمخدرات وإستخدام السلاح وإستباحة القوانين والبناء في املاك عامة ، ثقافة "اللا دولة"، ثقافةٌ نتاجَ غطاء سياسي يحمي، ليس فقط الدويلات العسكرية تحت لواء المقاومة، بل ايضاً الجزر الامنية حيث الاتجار بالمخدرات وسرقة السيارات، ثقافة يستبسل احد نواب بعلبك – الهرمل في الدفاع عنها تحت قبة البرلمان بمجرد ذكر اسم ابن عشيرته نوح زعيتر. إنها "ثقافة الموت". نعم إنها "ثقافة الموت" بوجه ثقافة الحياة، ثقافة بناء الدولة… فلنكف عن المراوغة والمسايرة ولنقلها بالفم الملآن: إما ان نعمم ثقافة حب الحياة فيحيا لبنان، واما ان تنتصر "ثقافة الموت" فيموت لبنان…