"ثمّة من يقول تحوّل حكومة ميقاتي إلى تصريف أعمال بعد سقوطها في مجلس النواب يُريح حزب الله"
كتب د.عامر مشموشي في صحيفة "اللواء": تجددت الاتصالات بين الرئيس نجيب ميقاتي المكلّف منذ قرابة الشهرين ونصف الشهر تشكيل حكومة جديدة تخلف حكومة الرئيس سعد الحريري التي أطاحت بها المعارضة السابقة باستقالة ممثليها منها بعد شبه انقطاع بينهما إثر الاجتماع الخُماسي الذي انعقد الأسبوع الماضي في دارة الرئيس ميقاتي وجمع إلى الرئيس المكلّف ممثل رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، ومساعد الأمين العام لحزب الله الحاج حسين خليل، ومساعد الرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل، ووزير الأشغال العامة غازي العريضي الذي انضم إلى الخليلين بناء على رغبة السيد حسن نصر الله التي نقلها إلى رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط خلال اجتماعهما الاسبوع الماضي في مقر أمين عام حزب الله في الضاحية، وذلك من دون أن يُسفر هذا الاجتماع عن أية نتائج إيجابية على صعيد المواقف المتباعدة بين الرئيس المكلّف والعماد عون تشي بقرب التوصل إلى اتفاق على الملف الحكومي العالق منذ أكثر من شهرين بين الرابية وفردان مقر الرئيس ميقاتي.
وجاء هذا التجدد في الاتصالات بعد أن استأنف العماد عون حملته على الرئيس المكلّف وصولاً إلى التهديد بسحب الثقة منه، والبحث عن بديل له إذا ظل متمسكاً بموقفه الرافض لإعطائه حصة وازنة في الحكومة، لا تقل عن اثني عشر وزيراً مسيحياً بمن فيهم وزير الداخلية المحسوب من حصة رئيس الجمهورية بوصفه الممثل الشرعي للمسيحيين في الحكومة العتيدة، ويرفض بالتالي المشاركة في أية حكومة لا تحصر التمثيل المسيحي به، وغداة اللقاء الروحي الجامع في منزل الرئيس ميقاتي والذي شكّل دعماً جديداً له ولموقفه المتمسك بالدستور نصاً وروحاً لجهة آلية تشكيل الحكومة، وحمل الرئيس ميقاتي على إطلاق مواقف جدد فيها التأكيد على تمسكه بصلاحياته التي نص عليها الدستور وعدم استعداده للتفريط بها تحت أي ظرف، ومهما اشتدت الضغوط عليه من القوى السياسية المشاركة في تأليف الحكومة.
وقد اعتبر كلام الرئيس ميقاتي رداً مباشراً على العماد عون والفريق الذي يماشيه في مواقفه يُضاف إلى الرد غير المباشر لرئيس الجمهورية والذي نقله عنه زوار قصر بعبدا والذي يصب في المنحى نفسه ويوكد بأن رئيس الجمهورية يتناغم مع الرئيس المكلف وليس على استعداد للتنازل عن صلاحياته أو عن صلاحيات رئيس الحكومة، والرضوخ بالتالي للشروط العونية ولا سيما في ما يتعلق بحصر التمثيل الحكومي للمسيحيين بتكتل التغيير والاصلاح.
ووسط هذه الأجواء، ارتفعت أصوات داخل قوى الأكثرية الجديدة، جلّها من جانب العماد عون تدعو الرئيس المكلّف إلى الاعتذار وتسليم الدفة إلى غيره، ممن تختاره هذه الأكثرية إذا كان مصرّاً على عدم الاستجابة لشروط العماد عون في ما يدّعيه من أحقية تمثيل المسيحيين في الحكومة العتيدة، و في حرمان رئيس الجمهورية المسيحي من أي تمثيل وخصوصاً احتفاظه بوزارة الداخلية.
وقد بدّدت هذه الأصوات، أي جو للتفاؤل بإمكانية الانتهاء من ملف التشكيل الحكومي، وبدأ الحديث عن الدخول في أزمة حكم يتصاعد بوتيرة متسارعة، وذلك مع بروز معلومات تؤكد استمرار الرئيس ميقاتي في تحمّل مسؤولياته، وعدم وجود أية نيّة عنده للاعتذار عن التكليف، الأمر الذي حمل الرئيس نبيه بري إلى أن يُطلق موقفاً صلباً من هذا الموضوع يؤكد على أن الدستور لا يُلزم الرئيس المكلّف بأية مهلة لتشكيل حكومته أو الاعتذار، وقد فُسّر كلامه بأنه جاء رداً مباشراً على دعوة العماد عون للرئيس ميقاتي بأن يعتذر عن متابعة مهمة التأليف إذا كان غير قادر على الاستجابة لشروطه.
وإزاء ما وصلت إليه الأمر من التعقيد بين الرئيس ميقاتي، عادت المعلومات التي يتم تداولها بين أوساط قوى الأكثرية الجديدة عن أسباب عدم اضطلاع حزب الله بدور التوفيق في وجهات النظر بين الرئيس ميقاتي والعماد عون من موقعه الذي يخوّله لعب مثل هذا الدور، وقيل في هذا الصدد أن بإمكان الحزب إذا أراد أن يُقنع الجنرال بتقديم تنازلات غير مؤلمة لتسهيل عملية تأليف الحكومة، كأن يقبل بعشرة وزراء في الحكومة العتيدة بدلاً من اثني عشر وزيراً، ويصرف النظر عن وزارة الداخلية لتبقى في عهدة رئيس الجمهورية، كما نص على ذلك اتفاق الدوحة، إلا أن عدم بروز أي مؤشر من جانب الحزب يوحي بأنه حاول إقناع العماد عون بتقبّل حلاً وسطاً يُريح الرئيس ميقاتي، ولا يكشفه أمام خصومه في الأكثرية السابقة الذين ينتظرونه على مفترق، لكن العماد عون رفض التجاوب مع هذه المحاولات وأصرّ على عناده لجهة الاستئثار بحصة المسيحيين في الحكومة العتيدة، دفع البعض إلى التساؤل عن صحة ما يقال من أن حزب الله يريد الاسراع في تشكيل الحكومة، ويرجح احتمال أن يكون الحزب يفضل أن يبقى الوضع الحكومي يراوح مكانه بانتظار أن تنجلي التسونامي الذي يجتاح المنطقة ووصل إلى سوريا، وفي أحسن الأحوال يسعى لأن يتحوّل الرئيس ميقاتي من رئيس مكلّف إلى رئيس حكومة تصريف أعمال يحل محل حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة سعد الحريري.
وانطلاقاً من هذه الفرضية، لا تستبعد الأوساط المراقبة أن يقدم الرئيس ميقاتي في الأيام القليلة المقبلة، وفي حال بقيت مواقف العماد عون وشروطه على حالها على تشكيل حكومة تكنوقراط بالاتفاق مع رئيس الجمهورية الذي نقل عنه الزوار تحبيذه لهذه الصيغة في ظل استمرار المواقف على حالها، ويذهب بها الى المجلس النيابي حتى إذا حجبت الأكثرية الجديدة الثقة عنها تحوّلت إلى حكومة تصريف أعمال، تتولى إدارة الأزمة إلى أن تتجلى طبيعة التطورات التي تشهدها المنطقة وتتوضح كل الصورة على حقيقتها فضلاً عن أن ذلك يريح حزب الله، لا سيما في ما يتعلق بتداعيات صدور القرار الاتهامي عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وفي مسألة موجبات لبنان المالية تجاه هذه المحكمة إضافة الى مسألة التجديد بالنسبة الى القضاة اللبنانيين.
البعض يقول بأن مشروع حكومة التكنوقراط كان مطروحاً قبل أسبوعين لكنه سقط وليس في نيّة الرئيس ميقاتي إعادة طرحه من جديد في حين يصرّ البعض الآخر على أن حكومة التكنوقراط تبقى هي المخرج لا الحل في ظل ما آلت إليه الاتصالات لقيام حكومة جديدة.