كتب عباس الصباغ في صحيفة "النهار": تحضن السيدة الستينية ابنتها وتركع على ركبتيها لتقبل ارض قاعة الوصول في مطار بيروت الدولي صباح امس. السيدة امضت ساعات طويلة في انتظار ان تحط الطائرة التابعة لشركة "طيران الشرق الاوسط"، وآتية من غانا عبر نيجيريا وعلى متنها 136 راكبا بينهم 127 من ابيدجان بعد ان لجأوا الى معسكر للقوات الفرنسية الخميس الفائت هرباً من المعارك المحتدمة بين انصار الرئيس المنتهية ولايته لوران غباغبو والرئيس المنتخب المعترف بها دولياً الحسن وتارا. ومن ثم انتقل هؤلاء الى اللومي في التوغو في طائرات عسكرية فرنسية قبل ان يعودوا الى وطنهم، حسب ما يؤكده لـ"النهار" فادي آصاف (60 عاماً) الذي يدير مدرسة لبنانية في ابيدجان منذ نحو 3 عقود. وامس عاد الى الاشرفية على أمل ان يعود الهدوء الى الدولة الافريقية ويضيف: "قبل اسبوع ازدادت حدة التوتر في ابيدجان وبعد اقل من 24 ساعة وصلت آليات تابعة للقوات الفرنسية الى مكان اقامتنا وطلبوا منا المغادرة الى معسكر تابع لهم. وانتقلت مع زوجتي وصديقي ساسين بجاني وعائلة زياد حلاوي الى المعسكر الذي لجأ اليه أيضاً نحو 900 لبناني من اصل اكثر من 90 ألفاً يشكلون الجالية اللبنانية في ساحل العاج، وبقينا في المخيم 4 ايام قبل ان نغادر ابيدجان بواسطة طائرة عسكرية فرنسية". ويشير آصاف الى ان المطار في ابيدجان لم يكن آمناً. ورغم سيطرة الفرنسيين عليه الا انهم اخفقوا في تأمين اقلاع الطائرات منه. اما عن التواصل مع السفارة اللبنانية في ساحل العاج فيوضح: "كان تواصلنا بشكل يومي مع السفير علي عجمي ولكن ليس في استطاعة السفير او غيره فعل اي شيء وحتى الاتيان ببواخر لاجلاء اللبنانيين ليس حلاً لاننا بحاجة الى 50 باخرة لتنقل الجالية اللبنانية". ويشير آصاف الى ان منازل اللبنانيين ومتاجرهم تتعرض للسرقة وما من احد يستطيع ردع السارقين علماً ان الفرنسيين أوضحوا انهم يستطيعون حماية الارواح وليس الممتلكات.
لبنان المتضرر الأول
ما يقوله آصاف يكرره جاره بجاني الذي سافر الى ساحل العاج عام 1962. اما زوجة زياد حلاوي التي قصدت بلاد الاغتراب قبل 35 عاماً وعادت امس مع اولادها الثلاثة فلم تضف جديداً في وصفها للاحوال في ابيدجان وتمنت ان تعود الامور الى طبيعتها في ساحل العاج لان "اللبنانيين من اكثر المتضررين بعد العاجيين وليس مهماً من يكون رئيساً لكن الاهم ان تعود الحياة طبيعية. ونحن فقدنا الكثير من ارزاقنا هناك وبقي لدينا شركة واحدة نتمنى ان لا يصلها التخريب والسرقة". وتشكر حلاوي الجيش الفرنسي على ما قدمه الى اللبنانيين وتؤكد ان "السفير اللبناني قام بواجباته وليس في استطاعة احد ان يقدم المساعدة للجالية باستثناء ما يقوم به الفرنسيون وايضاً لا احد يوقف السرقات في موازاة تردي الاحوال المعيشية وانقطاع الكهرباء والمياه". وتختم "ان الخسائر المادية في الارزاق والممتلكات والمحال التجارية كبيرة جدا وتقدر بالمليارات".
وكان في استقبال العائدين في المطار مدير عام المغتربين هيثم جمعة والنائب علي فياض وممثلون عن مديرية المراسم في وزارة الخارجية والمغتربين والقنصل قبلان فرنجية.
جمعة: الحرب تخلّف الخسائر
وقال جمعة لـ"النهار": "ان وصول اللبنانيين اليوم (امس) ليس عملية اجلاء انما هي عملية اختيارية لمن يريد مغادرة الدولة الافريقية المضطربة". اما عن خسائر اللبنانيين في ساحل العاج فيوضح: "خلال الحروب تعم الفوضى ويرافقها عمليات سلب وسرقة وهذا ما شهدناه في ابيدجان لكن الحمد لله ان الجالية اللبنانية بخير وهي اصلاً متجذرة في ساحل العاج ولن تترك هذه الدولة" ويعتقد جمعة ان ما نسبته 10 الى 15 في المئة من اللبنانيين قد يفضلون عدم العودة الى ساحل العاج".
وأسف فياض لعدم بذل المزيد من الجهد الدولي لايجاد ممر آمن للبنانيين الى المطار او الى دولة اخرى. واعتبر ان "الاجراءات التي اتخذت بالامس من السلطات اللبنانية المختصة بإيفاد بعثتين دبلوماسية وعسكرية خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح ولو حصلت متأخرة ولكن يجب ان تتضافر كل الجهود لمساعدة اهلنا في ابيدجان".
من جهة أخرى، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين امس ان طائرة تابعة لشركة "طيران الشرق الاوسط" ستصل الساعة الخامسة فجر اليوم الى مطار بيروت الدولي، آتية من اكرا وعلى متنها 160 لبنانيا أمكن اجلاؤهم من ساحل العاج، وسيكون في استقبالهم وفد من الوزارة.
مشكلة اخرى سيواجهها الطلاب اللبنانيون العائدون من ساحل العاج وخصوصاً أولئك الذين سيخضعون للامتحانات الرسمية ولن يكون في مقدورهم تقديم الامتحانات في المواد العربية مثل التاريخ والجغرافيا وتاريخ العلوم عند العرب. وتمنى آصاف على وزير التربية والتعليم العالي اصدار مرسوم يعفي هؤلاء من تقديم الامتحانات في هذه المواد نظرا الى عدم المام هؤلاء باللغة العربية. وأعلنت المديرية العامة للمغتربين في وزارة الخارجية والمغتربين عن اتخاذ خطوات مع وزارة التربية والتعليم العالي في هذا الخصوص". وطلبت من الاهالي مراجعتها في مقرها في بئر حسن لتسهيل امور هؤلاء الطلاب.