بدت «ثورة السجون» المتكررة في لبنان وكأن جل همهم السلطة الامنية والقضائية «التعدي على المجرمين من القتلة ومهربي المخدرات والخارجين على القوانين والانظمة». ولو عاد معظم «طاقم الاعتراض» على ما ينفذ من عقوبات وبحق الذين يطالبون بالعفو عنهم في الدول التي يميلون اليها سياسيا ومذهبيا» لكان من الافضل لهم شكر الدولة اللبنانية على قضائها وانظمتها وقوانينها، لان المجرم هناك لن يجد نفسه بعيدا من حبل المشنقة!
ان عادة استباحة القوانين والانظمة والاعراف عندنا غير مقتصر على شأن المسجونين، بعدما اثبتت التجارب ان السياسيين والحزبيين وكل من كان في موقع مذهبي قادر على القفز من فوق القوانين لاسيما تلك التي تحمل مواصفات استفزازية، خصوصا ان السلطة غير محسوبة لانها تفتقر الى تفاهم جدي على حكومة منطقية، بل لان هناك جهات لا تريد للبلد ان يتعافى، وهذا من الامور التي لا تحتاج الى كثير اخذ ورد، فضلا عن ان ثورة السجون تحمل في طياتها استعدادات لامتداد سياسي ومذهبي وشعبي في غير مكان، من غير حاجة الى التوقف عند هذا القانون او تلك الجناية!
الذين يثيرون الضوضاء المطلبية بالنسبة الى احوال السجناء والسجون لم يستوعبوا ولن يصلوا الى حد فهم حقيقة ما هو مطلوب لمواجهة المشاكل العالقة، حتى وان كان هناك من يعتقد ان معدل الظلم مرتفع قياسا على شمولية الاحكام بما في ذلك المد في عمر المقاضاة العدلية والملاحقة القانونية، ان لجهة الجرائم الكبرى او لجهة الجرائم ذات الطبيعة السياسية التي تتطلب ملاحقة ممجوجة من الصعب ان تسفر عن حكم نهائي!
اما وقد انفتحت شهية البعض على تجربة حظه في الخروج على الدولة من خلال ضرب الاستقرار وبالتالي اظهار السلطة بلا فاعلية، فان طريقة تحريك ثورة السجون والسجناء لا تبدو بريئة خصوصا ان من يطالب الاهالي بخفض الاحكام عنهم تحديدا هم في معظمهم من كبار المطلوبين للعدالة ممن سبق ان فعلوا الكبائر من الجرائم والارتكابات التي لو حصلت في غير لبنان لكانوا قد وصلوا الى حبل المشنقة!
ولجهة الاكتظاظ في بعض السجون وتحديدا في سجن رومية، لم يقل احد من المعترضين السياسيين والشعبيين شيئا عن الجهة التي تمنع الاخذ بمشاريع انشاء سجون جديدة. كما لم يعترض احد من هؤلاء على الذين تسببوا مثلا في التصدي لقوى الامن والجيش والقوى المسلحة الاخرى عندما كانوا يقومون بواجباتهم، الا اذا كان المقصود التذكير بان لا مجال لملاحقة المجرمين الكبار ممن تعرف عنهم انتماءاتهم السياسية والحزبية! وهل من الضروري ان تبقى الامور عالقة لان لا دولة في البلد قادرة على الامساك بعجلة القانون والضرب بيد من حديد على كل من يحاول ان يستوطي حائط الدولة!
ان مشهد «الفلتان الانثوي» امام سجن رومية شبيه الى حد بعيد ببعض الاصطفافات السياسية التي تنظمها احزاب قابضة على السلاح وعلى غيره.
وهيهات لو توافرت جرأة لدى البعض لتقديم احصاء صريح وجدي عن نزلاء السجون وارتكاباتهم بما في ذلك انتماءاتهم المذهبية والمناطقية «لظهرت الخبايا على حقيقتها»؟!