مذ نشأت حركة "14 آذار" في العام 2005، وهي لا تنفك تقدم المشروع تلو الآخر من أجل "العبور إلى الدولة"، فيما فريق "8 آذار" لم يقدم شيئاً يُذكر، إلا مشروع الاستيلاء على السلطة عبر التعطيل تارة، والاستقواء بالسلاح تارة أخرى، وما بينهما أخذ البلد رهينة حسابات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل.
تحت أنظار "14 آذار" المتمسكة بـ"دستور الطائف"، تمادى فريق "8 آذار" في مشروعه السلطوي بحكم "غلبة السلاح"، سلاح "حزب الله". لم ينفع معه أي حوار، لأنه لم يكن يريد سماع الرأي الآخر، كحال الأنظمة التي يدين لها بالتبعية والولاء. لم يتلقف اليد المدودة لأنه أراد دائماً قطعها. لم يعطِ حكومة الوحدة الوطنية، التي أسقطها بانقلابه على كل المواثيق والاتفاقات، فرصة للحياة، لأن غايته لم تكن الشراكة الوطنية، بقدر ما كانت الإستيلاء على السلطة، عبر افتعال "أزمة حكم" تحت عنوان المحكمة الخاصة بلبنان وقرارها الاتهامي.
للوهلة الأولى، نجح فريق "8 آذار" بإقصاء الرئيس سعد الحريري عن السلطة، لكن أي نجاح يبقى رهن خواتيمه، على قاعدة "يضحك كثيراً.. من يضحك أخيراً"، إذ نجد اليوم أن الرئيس سعد الحريري المتحرر من كل القيود، هو الذي يضحك، ومعه كل قادة "14 آذار" الذين يكتفون بالتفرج على عجز "8 آذار" عن تأليف حكومة "اللون الواحد"، الأمر الذي بات مدعاة لـ"الألم" لدى الرئيس نبيه بري الذي يحاول "تبرئة ذمته" حيال ما يجري، فيما البعض الآخر في "8 آذار" يتلهى بالصراع على الحصص الوزارية، في محاولة لإخفاء توتره إزاء ارتباك المحور الإقليمي الذي يتبعه، بفعل المتغيرات الحاصلة في المنطقة العربية.
وتؤكد مصادر قيادية في "14 آذار" أنها "غير معنية بعملية تأليف الحكومة"، وتشدد على أن "ما يعنيها أكثر هو استقرار البلد وأمنه واقتصاده، بعد أن بدأ يدفع فاتورة التأخير"، سيما وأنها ليست في موقع المتفرج أبداً على معاناة اللبنانيين في الداخل والخارج، بدليل ما يقوم به الرئيس الحريري من حراك سياسي يضع الحسابات الوطنية فوق كل حساب، إذ دخل على خط معالجة الأزمة بين لبنان والمملكة البحرينية بسبب تدخل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في الشؤون الداخلية للمملكة محرضاً، فيما لم يقف مكتوف اليدين أمام تدهور أوضاع اللبنانيين في ساحل العاج، بل بادر إلى التخفيف قدر الإمكان من التداعيات السلبية لهاتين الأزمتين بسبب "السياسة الخرقاء التي اتخذت خارج إرادة الدولة" على حد تعبير الحريري.
ويتفق أكثر من مصدر سياسي على أن فريق "8 آذار" يأخذ لبنان إلى المجهول، من خلال تصرفاته التي باتت أشبه بـ"دراما مزعجة" و"مقلقة" أبطالها أقطاب هذا الفريق، بدءاً بمهزلة تأليف الحكومة وما يجري من محاولات للقفز فوق الدستور وتكريس أعراف جديدة، مروراً بكارثة اللبنانيين في ساحل العاج نتيجة "فئوية" حركة "أمل" في إدارة السياسة الخارجية للدولة، وليس انتهاءً بأحداث سجن رومية وما تخللها من شغب منظم بخلفيات "8 آذارية"، طابعها سياسي – مذهبي بامتياز، والأخطر فيها أنها تمهد لتكريس ثقافة التمرد تحت مسمى "الأهالي على مؤسسات الدولة"، بعد تكريس "غلبة السلاح".
ورب سائل: إلى أين يأخذ فريق "8 آذار" لبنان واللبنانيين في ظل ما يقوم به من مغامرات غير محسوبة سببها أنه يستقوي بالسلاح غير الشرعي لمقاومة بناء الدولة التي لا يملك مشروعاً لبنائها؟ ذلك أن هذا الفريق، كما يرى المراقبون، أثبت أنه أعجز من أن يحكم، وجل ما يستطيع تقديمه للبنان واللبنانيين هو التعطيل، بدليل التجربة السابقة في استقالة وزارئه مرتين من الحكومة، بما يؤكد عجزه عن إنتاج السلطة، لأن هذا الفريق مجرد جماعات متناقضة تقتات من غياب الدولة، ولا تملك مشروعاً وطنياً بل مشروع دور داخلي لحساب أجندات إقليمية ليست بخافية على أحد.
تشدد مصادر سياسية مطلعة على "أن فريق 8 آذار لا يملك رؤية مستقبلية، وكل همه يتركز على الاستيلاء على السلطة، لكنه اليوم في مأزق مرده إلى عدم التقاء عنتريات "حزب الله" للإمساك بالحكم مع محاولات رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي لتأليف حكومة لا تشكل تحدياً للمجتمعين العربي والدولي". وتعتبر أن "استمرار الوضع على ما هو عليه هدفه تحويل لبنان إلى دولة فاشلة بفعل سلاح "حزب الله" الذي يريد تحدي الشرعية العربية والدولية".
أما المصادر القيادية في "14 آذار" فتشير إلى "أن هذه القوى، أي 14 آذار، منذ نشأتها في العام 2005، نادت بالحوار الداخلي حول السلاح غير الشرعي على أنه شأن لبناني لبناني، في وقت لم يكن العالم العربي يدرك مدى خطوة تدخل النفوذ الإيراني في المنطقة العربية عبر سلاح "حزب الله"، فاعتبره شأناً لبنانياً داخلياً يقرر اللبنانيون آلية معالجته، وهذا ما عبّر عنه الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى خلال زياراته المتكررة إلى لبنان".
ولكن هذه المقاربة لسلاح "حزب الله" تغيرت اليوم، في ظل إدراك الدول العربية أن حل معضلة السلاح لم تعد مسؤولية لبنانية، بل مسؤولية عربية أيضاً، بعد أن تكشفت حقيقة هذا السلاح ودوره في تهديد الاستقرار، ليس فقط في لبنان بل في المنطقة، في إطار منظومة أمنية إيرانية تهدف إلى بسط النفوذ الإيراني على حساب الهوية العربية، واستخدام العالم العربي صندوق بريد لتبادل الرسائل مع المجتمع الدولي.
بهذا المعنى، ترى المصادر القيادية لـ"14 آذار" أن "حزب الله الذي يضيق عليه الخناق اليوم، من خلال أزمة سياسية سببها العجز عن تثمير نتائج إنقلابه المسلح من جهة، وأزمة اجتماعية يتسبب بها للعائلات اللبنانية في الخارج، وتحديداً في الدول العربية، نتيجة التصاقه الوثيق بالسياسات الإيرانية، ناهيك عن هاجسة المستمر إزاء المحكمة الخاصة بلبنان وقرارها الاتهامي".
وتعتبر المصادر نفسها أن "حزب الله أمام احتمالين لا ثالث لهما، إما يكرس وضع يده على السلطة للإمساك بورقة تفاوض تعين إيران في مواجهتها المجتمعين العربي والدولي، أو في حال تعذر ذلك دستورياً، فليس مستبعداً أن يقوم بحماقة عسكرية لتأمين ذلك، لكن حتى اللحظة لم يقرر أي مسار سيسلك، لأنه يدرك تماماً أن وضع اليد على السلطة، سيكون مكلفاً، وسيسرع الحل على حسابه".
ومن هنا ارتباك "حزب الله"، ومعه كل فريق 8 آذار، في ظل عدم وضوح الرؤية، مع العلم أن ذلك لا يعفي الرئيس المكلف نجيب ميقاتي من حقيقة أنه ارتضى التكليف بانقلاب وبدفتر شروط الانقلابيين الذي، كما يتضح من المعطيات الآنفة الذكر، يأخذ لبنان إلى الهاوية.