نبحث عن أصدقاء الآخرين، فلا نجد إلا خصوما وأعداء واشقياء؛ ونفتش في قاموس الآخرين، فلا نجد إلا عملاء وجواسيس ومتآمرين؛ وندخل محاكم الآخرين، فلا نجد إلا أسواطا وسيوفا ومشانق؛ ونسأل عن عدالة الآخرين، فلا نجد إلا تحريفا وتحويلا وضلالا.
إذا كنت حرّا تصير شاردا، وإذا كنت متحرّرا تصبح متواطئا، وإذا كنت محايدا تغدو جبانا، وإذا كنت معتدلا تمسي مشبوها… لا مكان عند الآخرين لموقع آخر أو لشرع آخر، ولا مقام لدى الآخرين لولي آخر أو لسيّد آخر، ولا قيمة لدى الآخرين لمقاتل آخر أو لشهيد آخر، لا فرق إن كنت شيعيا آخر أو لبنانيا آخر أو عربيا آخر أو حتى مسلما آخر.
في حسابهم، لا مكان للوسط، فإمّا تكون حليفا في المطلق فتنجو، وإما تكون عدوا في المطلق فتقع، لا فرق إن كنت نبيه برّي أو كنت محمد خليفة أو كنت ياسين جابر أو كنت علي الأمين… في حسابهم إنّهم دائما على حق، والحق عندهم يأتي من قوة السلاح لا من سلاح القوة، والصداقة عندهم لا تعني أن تكون صادقا، بل أن تكون خاضعا.
نبحث عن وعود الآخرين، فلا نجدها في كلمات السر، ولا في القصور، ولا في حقائب السفراء، ولا نجد لها أثرا لا في المجالس ولا في المطابخ، ولا في الخواطر، ولا في مداولات الساسة أو في دفاتر المؤرّخين.
الإصلاح يمكن أن ينتظر، والفساد يمكن أن يتمادى، والعدو يمكن أن يتحدى، والشعب يمكن أن يصبر، لكنّ الحكومة لا يمكن أن تحكم، والسلاح لا يمكن أن يهدأ، والمقاومة لا يمكن أن تلين فتقيم خطا أزرق مع الدولة، لا تعبّره ولا تلمسه ولا تبدّل فيه خطا أو لونا أو شكلا.
ونسأل عن معادلة الجيش والشعب والمقاومة، ونسأل عن أي جيش: هل هو الجيش الذي رسموا له خطوطا حمرا على ابواب نهر البارد؟ أم هو الجنازير التي يتوقف هديرها على أعتاب المربّعات؟ أم هو الطوافات التي تفرمل أجنحتها فوق سجد خشية أن يغضب "مقاوم" أو أن يسقط طيّار؟
وبعد، عن أي جيش نسأل؟ هل هو الجيش الذي يُحرَم من الحداثة خشية أن يقع سلاحه في قبضة "جيش" آخر؟ أم هو الجيش الذي يريدونه شهيدا في الجنوب و"شرطيا" في بيروت و"هدفا" في البقاع و"متفرجا" في قوسايا؟
ونسأل عن الشعب، فلا نجد إجماعا على سلاح أو توافقا من أجل السلاح؛ ولا نجد شعبا يؤمن بما تؤمن به المقاومة، أو يقاتل حيث تقاتل، أو يوالي حيث توالي؛ ولا نجد شعبا يطمئنّ إلى خيارات لها تمتدّ من المتوسط إلى طهران حين يتعلق الأمر بالتوسعات، ولا إلى حملات لها تمتدّ من البقاع الى دمشق حين يتعلق الأمر بالتحالفات، ومن شيعة البحرين إلى حوثيي اليمن حين يتعلّق الأمر بالمذاهب، ومن لبنان إلى أميركا الوسطى حين يتعلق الأمر بالمصالح.
ونسأل بعد عن أي شعب، هل هو الشعب الذي يقوم نصفه على نصفه الآخر؟ أم هو الشعب الذي يخاف نصفه من نصفه الآخر؟ أم هو الشعب الذي يحمل جوازا أجنبيا فيكون عميلا، أو يحمل بيرقا فيكون متآمرا؟ أم هو الشعب الذي يرتدي نصفه معاطف سودا ويرتدي نصفه الآخر ما يستره من ويلات الليل وغزوات الفجر؟
وبعد نسأل، عن أي شعب نسأل، عن الشعب الذي يخرج لاستقبال أحمدي نجاد؟ أم الشعب الذي يخرج لاستقبال رجب طيّب أردوغان؟ أم الشعب الذي يخرج لتحية البطريرك الجديد؟
وبعد أيضا وأيضا، هل هو الشعب الذي يريد شرق أوسط جديدا؟ أم هو الشعب الذي يريد شرق أوسط إسلاميا؟ أم هو الشعب الذي يهدر في ساحة الشهداء لاسقاط السلاح أو الشعب الذي يهدر في ملعب الراية لتكريس السلاح؟
وأخيرا نسأل: إذا لم يكن نبيه بري حليفا فمن يكون؟ وإذا لم يكن مقاوما فماذا يكون؟ وأي مثلث هذا؟ الجيش فيه مغيّبٌ والشعب مغلوبٌ، والمقاومة فيه تصنع ولاة على الجميع باسم الجميع، فتغلّب نصفا على نصف آخر، وتفرض سلاحا على سلاح آخر، وتقدّم وطنا على وطن آخر، وتكاد لولا بعض الحياء أن تغلّب إلها على إله آخر.