#adsense

الحزب وحلفاؤه نادمون على اختيار ميقاتي… “الجمهورية”: حزب الـله ابتلع طُعم لارسن؟

حجم الخط

كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية":

"حزب الله" وحلفاؤه نادمون على اختيار ميقاتي. يؤكدون ذلك همساً في ما بينهم. ولكن "لا حول ولا…"! فالبديل دونه تعقيدات ليست سهلة الحل. لقد ابتلعوا الطُعم، وعلقت الصنارة في الحلق.

اساسا لم يكن ميقاتي خيارهم. ولو استطاعوا تمرير عمر كرامي لفعلوا. لكنهم ذهبوا الى الخيار الذي وفّر اكثرية الـ68 صوتا، باجتذاب "التكتل الطرابلسي" وكتلة وليد جنبلاط ونقولا فتوش.

بين كرامي وميقاتي، هم طبعا يفضلون الأول، الأكثر التحاما بالمعسكر، ورئيس آخر حكومة في "عهدهم الذهبي". الرجل الذي اسقطه شارع 14 آذار. ومن شأن اعادته الى موقعه ان تحمل رمزية استعادة ذلك العهد، على الأقل ببعض رجاله.

لكن ميقاتي كان مقبولا عندما تعذر وصول كرامي: حكومة ميقاتية فيها الغلبة والقرار لـ"حزب الله" وحلفائه، ستكون افضل بكثير من حكومة الرئيس سعد الحريري.

يعترف احد اقطاب 8 آذار: تسرعنا في تسمية ميقاتي قبل الاتفاق على شكل الحكومة وبرنامجها. كنّا مستعجلين لتجاوز العقبة التي واجهتنا في ايصال كرامي. ولم يكن هناك مَن يستطيع ملء الفراغ وتأمين الغالبية سوى ميقاتي. المهم بالنسبة الينا كان رحيل الحريري من السلطة. وتصوّرنا ان ميقاتي سيكون منسجما معنا في تأليف الحكومة وبيانها الوزاري. لكن ذلك لم يحصل، وعامل الوقت كان ضدنا. ويوما بعد يوم، يسلك الرئيس المكلف طريقا لا يخدم نهجنا السياسي. وصرنا نخشى فعلا على الغالبية الجديدة إذا ما اندلع صراع مع ميقاتي. وكذلك نحن نحاول إعطاءه الفرصة تلو الأخرى لنحافظ على شعرة معاوية، لكنه يستفيد من هذه الفرص للمزيد من التمسك بشروطه. انه يتكئ على عدد من نقاط القوة.

اكثر من ذلك، يضيف هذا القطب: "جاءت التطورات الجارية في سوريا والعديد من الدول العربية ذات الشأن في لبنان، لتدفعنا الى استعجال التأليف وسحب الحريري ووزراء حكومته من مواقعهم. ولكن هذه التطورات عينها تدفع ميقاتي الى مزيد من استهلاك الوقت. انها لعبة عضّ اصابع، وقد تنتهي بقطعها، من دون ان يجرؤ صاحبها على التعبير عن وجعه".

في العلن والسر، ميقاتي لن يعتذر. منحه الدستور قوة لا يقوى عليها شيء ولا احد. يكفي ان تسميه غالبية نيابية ويكلفه رئيس الجمهورية حتى يصبح في حصن لا قدرة لأحد على دك اسواره. ولا يمكن دستوريا مجلس النواب سحب التسمية منه، ولا مبرر استثنائيا يمكن ان يتيح خيارا من هذا النوع. واذا ما حاول فريق 8 آذار الاجتهاد هنا، فسيقع على الأرجح في مطب يصعب الخروج منه. فالرجل احتمى قبل ايام بدار الفتوى، على غرار حماية المفتي للرئيس فؤاد السنيورة في اثناء "حصار" المعتصمين للسراي الحكومي. وستؤدي فرضية الاجتهاد الدستوري لازاحة ميقاتي، الى "رفع الصوت" السنّي. وسيكون للحريري وسائر القوى السنية الحليفة، وحتى المحايدة نسبيا، كالمجموعات الاسلامية، موقف داعم لميقاتي… اضطراريا. وقد لا يستطيع حتى سُنّة 8 آذار الذهاب بعيدا في دعم "فتوى" سحب التسمية، لأنها تحمل دمغة شيعية ومسيحية، من خلال العماد عون: "يا غيرة الدين!".

انذار تلو آخر يوجَّه الى ميقاتي. ومهلة زمنية تلو أخرى، بالأيام والاسابيع. لكن الرئيس المكلف يثبت انه على رغم "وسطيته" لا ينصاع للضغط. وهو عندما واجه "يوم الغضب" الحريري غداة تكليفه، بعث برسالة ايضا الى الذين سمّوه، مفادها انه "ليس سهلا". والتحدي الذي تعرّض له داخل بيته السنّي والطرابلسي غداة تكليفه لم يكن سهلا تحمّله. فالشارع كان يغلي رفضا له. لكنه واجه التحدي وتمكن في غضون ايام قليلة من تهدئة الشارع، والتطبيع مع القواعد الشعبية في مدينته. وهذه الرسالة ادركها حلفاؤه في الغالبية الجديدة، باعتبارها اشارة تعنيهم ايضا، ولذلك قال عنه الرئيس بري: انه يملك جبلا من الصبر.

واظهر ميقاتي قدرته الاستيعابية في مكانين خصوصا:

1- عندما اعلن وجود ايجابيات في خطاب الرئيس سعد الحريري العنيف ضد "وصاية السلاح" في 13 آذار، وفي ذروة التوتر.

2- عند حضوره "الهجومي" منفردا إلى دار الفتوى قبل أيام، حيث اعطى الدار وزنا سياسيا، وردت بإعطائه الحماية.

معركة ميقاتي مستمرة. لم تعد ضد الحريري اليوم، بل ضد الذين سمّوه. فهؤلاء لا يمكلون اي خيار آخر. ولا يمكنهم ان يجدوا اليوم سنّيا آخر يتمتع بالثقل وبالتغطية لدى طائفته باستثناء الصفدي والى حدّ ما كرامي. فيما الآخرون يشكلون خيارات استفزازية ضمن الطائفة السنية. والوقت لا يتسم اليوم باستفزاز من هذا النوع لأسباب معروفة داخليا وعربيا.

صديق لارسن والأميركيين… هذا ما يعرفه ميقاتي الذي قيل عنه كثيرا انه "عرف مكانه فتدلّل". ولا يخفي احد البارزين في الغالبية النيابية امتعاضه، ويقول: إن دمشق هي التي ابتلعت الطُّعم الأساسي في تسمية ميقاتي، ومعها حزب الله. فهو صديق حميم لموفد الأمين العام للأمم المتحدة سابقا تيري رود لارسن، وله علاقات طيبة بالاميركيين وخصوصا في مرحلة السفير جيفري فيلتمان. وهو يتبنّى المعادلة التي كانت وراء ولادة القرارات الدولية كلها ذات الشأن، من 1559 الى 1595 الى 10701. والأميركيون بادروا الى مباركة تسميته بعد تلقيهم تطمينات الى صورة حكومته والتزامها القرارات الدولية جميعا، وعدم استفزاز القوى الداخلية التي تنادي بهذه القرارات.

حتى اليوم، ليس لدمشق ولا لحلفائها اللبنانيين اي نية لتغيير ميقاتي، وفق ما تؤكد المعلومات المتقاطعة من اطراف الغالبية الجديدة وسوريا. كما أن شقيقه طه ميقاتي عاد من دمشق بالأجواء عينها، لأن الصعوبة في استبدال ميقاتي لا تكمن في الصلاحيات الدستورية فقط، التي تحول تماما دون ذلك، بل ايضا في تفاصيل المشهد السياسي المعقّد داخليا وعربيا. فالرئيس المكلف يحظى ايضا بغطاء سعودي يحرص السوريون على مراعاته ضمن جهودهم لتدعيم الاستقرار في الخليج والداخل السوري ولبنان.

الرئيس ميقاتي باحتمائه تحت عباءة دار الفتوى، استثار حساسية لدى الطائفة السنية تتعلّق بصلاحيات رئيس الحكومة. وهذه الحساسية تثار خصوصا في وجه العماد ميشال عون وليس في وجه "حزب الله"، لسببين: الأول هو عدم الرغبة في خلق سخونة ذات طابع مذهبي في هذه الظروف، والثاني هو أن الصراع حول الصلاحيات لا يقوم بين رئيس الحكومة ورئيس المجلس النيابي. إنه ليس صراعا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل هو داخل السلطة التنفيذية، بقطبيها السنّي والمسيحي. هنا، يحاول العماد عون تثبيت موقعه المسيحي من خلال الحملة التي يشنها على رئيس الجمهورية وميقاتي معا.

ومنذ اللحظة الأولى، اكتشف الذين جاؤوا بميقاتي الى رئاسة الحكومة أنه لن يحقق لهم الأهداف التي ارادوها عندما اسقطوا حكومة سعد الحريري. ولكن فاتهم القطار، فهو لن يسقط المحكمة الدولية، ولن يستهدف الرموز الأمنيين والقضائيين (سعيد ميرزا، أشرف ريفي ووسام الحسن)، ولن يطلق يد 8 آذار في التعيينات المنتظرة. وهو لن يسمح لهم بالتحكم في الحكومة العتيدة حجما ونوعا. وهو يترك حكومة سعد الحريري بكامل عديدها في موقع تصريف الأعمال حتى إشعار آخر.

"الوعد" الوحيد هو عدم المسّ بالمقاومة كعنوان.

ومع ذلك، لا يقوم فريق 8 آذار بعمل سوى محاولة إقناع ميقاتي بتليين موقفه. وقد جاءت الهدنة التي ظهرت في مواقف عون الأخيرة لتعبّر عن ذلك.

"الطبيعي" و"الانتحاري"… لن يستطيع اي قطب سنّي "طبيعي" أن يتحمّل مسؤولية تسميته بديلا من ميقاتي، إذا ما قرر هو ذلك. وهو لن يفعل في أي حال.

لا الصفدي ولا كرامي قادرين على مواجهة الضغط الذي ستقوده دار الفتوى في هذا الاتجاه، ومعها معظم القوى السنّية الأخرى. هذا ما يؤكده احد القياديين السنّة. وسيكون المجال مفتوحا عندئذ أمام "السني الانتحاري" فقط – يضيف هذا القيادي – اي ذلك الذي ليس له شيء يخسره، ويبيّت في داخله رغبة انتقامية ردا على اقصائه عن المرحلة السابقة. وعندئذ يقبل بالمهمة على طريقة "عليّ وعلى أعدائي يا رب". وهذا ينطبق مثلا على مصطفى حمدان وعدنان عضوم وعبد الرحيم مراد وأسامة سعد وآخرين.

لكنّ سوريا وحلفاءها لم يصلوا بعد الى مرحلة العمل لتغيير ميقاتي. يحاولون اليوم "تغيير سلوكه". فهذا يبقى اسهل، ويمكن ان يؤتي ثماره أكثر من اي نهج آخر، ولعلّ الانتظار، على رغم سلبياته، يبقى افضل من المغامرة.

مُرغم أخاك لا بطل". هذا حال الذين اختاروا ميقاتي، وهم في ذروة القوة، فبات اليوم اقوى منهم في موقعه، ولو كانوا اقوى منه بكثير في مواقعهم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل