كتبت هدى شديد في صحيفة "النهار": "لكل هذه الاسباب خرجت من مجلس النواب، يقول لـ"النهار" الرئيس حسين الحسيني، الذي ودع ساحة النجمة في 12 آب 2008، بإعلان استقالته من المجلس. مكامن الخلل التي أوردها في كلمته النيابية الاخيرة، هي نفسها تدرجت في التضخم الى ان وصلت الى المأزق الفعلي: "فقد تم تعطيل المسؤولية ورئاسة الجمهورية وكل الدولة، لاننا لم نقم بواجب اقرار القوانين التطبيقية، بدءا من تنظيم دوائر رئاسة الجمهورية، الى وضع قواعد المجلس الاعلى للدفاع، وصولا الى السلطة الاجرائية، وقبلها السلطة التشريعية التي هي حتى الآن من دون قانون شرعي". ويعتقد "ان الذين يقبضون على السلطة في لبنان يستطيعون اقرار هذه القوانين، ولكنهم لا يريدون. والمطلوب هو البدء باقامة الدولة ولا شيء آخر".
وامام أزمة حكومة تصريف اعمال غير قادرة على التصريف ورئيس مكلف غير قادر على التأليف، يرى الحسيني "ان من الصعب ان نسعى الى تفسير وضع غير دستوري بواسطة الدستور، فوضعنا استثنائي جدا وخارج الدستور والنظام، مع التركيبة التي حصلت جراء الاصطفاف الطائفي والمذهبي ومن خلال قانون انتخاب لم ينتج سلطة دستورية. ومنذ عام 1992 لدينا مجالس نيابية قانونية وليست شرعية، لان القوانين الانتخابية مناقضة تماماً لدستور لبنان ولوثيقة الوفاق الوطني التي هي بمثابة الميثاق الوطني، وخصوصا في اتفاق الدوحة، الذي اعاد إحياء قانون الستين، وكبّل رئاسة الجمهورية وجعلها غير صالحة لممارسة صلاحياتها، بحيث وزع الحصص، واعطى رئيس الدولة ثلاثة وزراء من ثلاثين وزيرا. بمعنى آخر، اتفاق الطائف حرص على جعل مركز رئاسة الجمهورية يسمو على كل السلطات وكل الافرقاء، ولا تكون طرفاً في أي نزاع او منافسة. واعطاء رئيس الجمهورية حصة على هذا الشكل هو تقزيم لصلاحياته وتكبيل له. بينما الدستور اللبناني اعطاه صلاحية كبرى في تشكيل الحكومة. وهذه الحصة تجعله طرفا بينما هو له الحصة كاملة والوزارة كلها يجب ان يكون بإمرته".
وهل هذا يعني ان العماد عون مصيب في انه لا يحق لرئيس الجمهورية الحصول على اي حصة، يجيب الحسيني: "نعم، لكن لرئيس الجمهورية رأياً في كل وزير، ومن خلال تشكيل الحكومة تتولد منزلته العالية عند كل الوزراء، وليس عند حصة معينة".
وعن مطالبة رئيس اكبر كتلة نيابية في الاكثرية الجديدة بحصة تتناسب وحجم كتلته، يقول: "طبعا النظام البرلماني يعطي الاكثرية النيابية الحق في تشكيل الحكومة ومن طرف واحد، والاقلية تصبح معارضة. ولكن هذا كلام حق يراد به باطل، لاننا اذا بنينا على قانون انتخاب صحيح وانتخابات حقيقية نكون في نظام ديموقراطي وتستطيع الاكثرية ان تؤلف حكومة. اما الآن فلا الاكثرية اكثرية ولا الاقلية اقلية. هذا المقياس ليس شرعيا ولا منطقيا حقيقياً".
معايير غير صالحة
ويرفض التعليق على مطالب العماد ميشال عون في الحكومة المقبلة: "من دون ان اخوض سجالات مع احد، كل ما يطرح مقاييس على اساس "انا نصف الدنيا وما على الذي لا يصدق سوى ان يذهب ويقيس". هذه المعايير غير صالحة. ان قانون الانتخاب الحقيقي ينتج مجلسا شرعيا ومنتخبا، وتظهر عند ذلك الاكثرية، وتؤلف الحكومة وتفرض رأيها على كل الناس".
اذاً من يسمي الوزراء ومن يوزع الحقائب في هذه الحالة؟ وفق الحسيني "ان الرئيس المكلف هو من يقترح، بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، ورئيس الجمهورية هو الذي يوافق، ويتم تشكيل الحكومة بمرسوم يوقعه الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية الذي يصدر المرسوم بناء على اقتراح الرئيس المكلف، هذا من الناحية الدستورية. اما مبدأ تشكيل الحكومة، فمبني على اكثرية نيابية حقيقية بموجب قانون شرعي. هذا القانون الانتخابي يمكّن عددا من القادة من أن يعينوا النواب تعيينا وليس انتخابا. فعندما نضع قانون انتخاب حقيقيا، تأخذ العملية الانتخابية مجراها الحقيقي. اما الآن فنحن خارج الدستور".
الحسيني لا ينصح الرئيس المكلف، انما يسأله: "هل هناك عودة الى الدستور أم استمرار لتشكيل حكومات خارج الدستور؟ واذا كان خياره العودة الى الدستور، فهذه تكون مهمة الحكومة المقبلة التي عليها ان تترجم هذه العودة وتبدأها من خلال تطبيق فعلي للدستور، لجهة اقتراح الرئيس المكلف اعضاء الحكومة وموافقة رئيس الجمهورية عليهم".
وماذا لو هدّده الفريق الاكثري الذي سمّاه بعدم منح حكومته الثقة، يجيب: "إذاً هو في هذا الاعتبار ليس مفوضا تشكيل الحكومة. وهذا خلاف للأصول. فبمنطق الدستور، رئيس الحكومة هو زعيم الاغلبية البرلمانية، والحكومة بعد تأليفها ستُقْدِم على عمليات تشريع وتنفيذ. واذا لم يكن رئيسها زعيماً للاكثرية النيابية لا يستطيع ان يحكم. عند الاستشارات النيابية التي يجريها رئيس الجمهورية لتسمية رئيس الحكومة المكلف، وفي حال عدم وجود اكثرية برلمانية واضحة منتخبة من الشعب، تكون هذه العملية من اجل تحقيق زعامة رئيس الحكومة لهذه الاكثرية. وعندما تصبح الانتخابات صالحة لان تفرز اكثرية واضحة بموجب قانون شرعي، حتى الاستشارات التي يجريها رئيس الجمهورية لا تعود ذات جدوى، وتصبح الاكثرية التي حققها الشعب هي التي تؤلف الحكومة. ومن دون امتلاك الشرعية الشعبية لا يمكن امتلاك القوة الاكراهية للحكم. والآن، على الاكثرية التي رشحت رئيس الحكومة ان توليه زعامة فعلية وتمكنه من ان يترجم ذلك بالعودة الى نصوص الدستور".
وهل توافق رئيس الجمهورية في عدم توقيعه مرسوم حكومة ما لم يكن له الرأي في كل وزير فيها، يجيب: "اذا لم يبد رئيس الجمهورية رأية الصريح في كل وزير يكون خرق الدستور. وبالرغم من تمنياتي ان ينجح الرئيس المكلف في تشكيل الحكومة، لست على اطلاع على مجريات تشكيل الحكومة ولا على التعقيدات. ولكن في المبدأ هناك منحى غير دستوري جرى التدرج فيه واصبحنا الآن في وضع شاذ. فكل نظام لا يستطيع ان ينتج سلطة ساقط حكما وميّت. ومنذ عام 2004 نحن في تركيبة نظامية لا تنتج سلطة، واذا انتجت سلطة على الطريقة التي نتجت في الدوحة، فهي سلطة لا تستطيع ان تحكم، لأن معوقاتها منها وفيها".
تنظيرات
يعتبر الحسيني الكلام عن حاجة الى مؤتمر وطني جديد على غرار مؤتمر الطائف او مؤتمر الدوحة الذي سقط، "تنظيرات الذين يريدون تبرير الخروج على الدستور واتفاق الطائف. فالطائف وضع خطة متكاملة لاقامة الدولة المدنية على اساس النظام الجمهوري البرلماني الديموقراطي بقانون الانتخاب والسلطة القضائية المستقلة. والمطلوب اقامة الدولة وتطبيق الدستور. وعندما نقول اسقاط النظام الطائفي فهذا لغوياً طرح سلبي، لان النظام الطائفي الذي يمارَس الآن مخالف للدستور، والشعار الصحيح هو "فلنطبق الدستور".
للخروج من المأزق يرى الحسيني "ان البداية تكون من تشكيل الرئيس المكلف حكومة ليست لها مهمة سوى اخراج لبنان مما هو فيه، ولا طريق آخر سوى قانون الانتخاب والسلطة القضائية المستقلة".
ويعتبر ان الامر يحتاج الى قانون انتخاب وفق الطائف ووفقا لما وضعته لجنة الوزير السابق فؤاد بطرس في الشق النسبي. ولا يعني طرح الحسيني اجراء انتخابات مبكرة، بل ان "وضع قانون انتخاب لا يكلف اكثر من 15 يوماً، حتى لو لم نجر الانتخابات الا في موعدها. فكل المنطق يتغير، والخطاب السياسي كذلك.
يقول الحسيني: "يجب ان تكون مناسبة تشكيل الحكومة هي الخروج من المأزق بدلاً من البقاء فيه. ولا أرى عند الاطراف المتصارعين من يمتلك مشروعاً لإقامة الدولة غير مشروع اتفاق الطائف والدستور اللبناني. ونحن منذ تشرين الأول 1989 نقول ان كل من يقدر على ان يقدم مشروعاً لإقامة الدولة افضل من اتفاق الطائف نحن معه. فالكلام عن طائف جديد أوهام. والطائف بني على ارادة وطنية جامعة وعلى دعمين عربي ودولي بالاجماع، ولا احد قادرا على تكوين هذه الارادة وهذا الاجتماع حتى الآن".
ويعتبر ان "أزمة سجن رومية هي نتيجة صغيرة لنتائج المشكلات الكبرى الناجمة عن غياب المسؤولية، في وضعنا الحاضر. فهناك مشكلات كبرى كالدين العام، واستمرار الاحتلال الاسرائيلي للاراضي اللبنانية، ومشكلة السلاح، ومشكلة المحكمة… وغيرها، لا تحل استنسابيا، بل يجب مواجهتها بواسطة المؤسسات الدستورية. ولنتعظ من جلد الذات ولحس المبرد، فقد اصبحنا بالنتيجة في حالة افلاس دائم". ولا يدخل الحسيني في تسميات كـ"حكومة بمن حضر"، ولكنه يعتقد "ان من الحكمة ان تولد الحكومة بإقناع الافرقاء بأن لا سبيل للمضي في عملية "الرمال المتحركة". الاكثرية المقررة أو الاقلية المعطلة من وجهة نظره، وجدت "لاهداف ايجابية وليست سلبية. ولكن عندما اطالب بثلث معطل سلفاً أظهر انني أنوي التعطيل، بينما المطلوب التسهيل".
ويؤكد "ان في امكان المجلس ان يجتمع وان يقر كل ما هو مستعجل ولا يمكن تأجيله او رده". ويستشهد بواقعة اجتماع مجلس الوزراء بفتوى من مجلس شورى الدولة، عندما كان الرئيس رشيد كرامي رئيسا لحكومة مستقيلة وجاء الاستحقاق الدستوري بتقديم موازنة الدولة الى المجلس، و"كان هذا الاجتماع من قبيل تصريف الاعمال، وأقر مشروع الموازنة. فالدستور يحدد مواعيد تقديم الموازنة ونحن منذ 2005 من دون موازنة رسمية".
ويختم: "لكل هذه الاسباب خرجت من مجلس النواب. والقنابل الدخانية للتعمية على الامور الراهنة لم تعد تجدي، والمطلوب الدخول في موضوع اقامة الدولة ولا شيء آخر".