مضى اكثر من شهر ولم نسمع اي تقدم على مستوى تأليف الحكومة العتيدة، بل اقتصر الامر على ما يصح وصفه بتداعيات الانقضاض على الحكومة السابقة، هذه التداعيات التي زادت منسوب الخضات الوطنية وفتحت الباب اللبناني على ازمات هو بأشد الحاجة الى الاستغناء عن امثالها؛
وفي زمن اللاحكومة، لست مطالباً يا دولة الرئيس ان تكاشف اللبنانيين بكواليس العرقلات المتراكمة، بل على الاقل ان نعرف الحقيقة في ما يمنع امكانات التشكيل، او ما يجعل الخط البياني للعراقيل يتجه تصاعدياً كلما تأخر التأليف.
ما يمكن قوله ان مفاجآت عديدة، جديدة ومثيرة، قد تشهدها المنطقة ولبنان، لتزيد في احتمالات التأخير في ولادة الحكومة. قد تتعدل الصورة، وكذلك الانطباع، لكن الاجواء الآن تختلف تماماً على ما كانت عليه منذ شهر، والمهم اننا نعيش حالياً في وهمٍ من سلطة غير قابلة الى الانتقال وغير مقبلة على ما يبدو… على الاستبدال!
نعرف، وتعرف يا دولة الرئيس، ان المشكلة العالقة لدى العماد عون قد ترتبط بشكل التمثيل المسيحي الذي يمنحه اياه الحكم والذي يـمتحنه فيه أخصامه وحلفاؤه على السواء، إن في القدرة على تأمين الغطاء السياسي "الوطني" اللازم لهم، والمـُلزم له، وفي الوقت المناسب، او في العجز السائد لدى فريقه على تحويل المشروع "النظري" لمكافحة الفساد.. الى مكاسب.
ونعرف، وتعرف يا دولة الرئيس، ان فترة التوازن الهش بين الاكثرية المقلوبة بفعل القوة، والاكثرية المنقلبة بفعل "التخويف"، لا بد ان تنتهي، وهي ثمرة تقدم جهات، وانكفاء اخرى، وتراجع ادوار وانطفاء اخرى، فيما الاستقرار العام في لحظة ضياع وحيرة وتشويق اين منه افلام سبيلبرغ، لكن الموضوع يرتبط بحياة ومستقبل شعب وليس بعرض مسرحي شكسبيري يفتح اعين الحضور على لحظة الثمالة، انما الحضور هو شعب لبنان، المشارك ولو بالرغم من ارادته، ولكن بجهده وعرقه وماله في رسم البيان الانحداري للوضع الحالي.
ونعرف، وتعرف يا دولة الرئيس، أن المسعى لتدشين بؤر توتر جديدة في لبنان على خلفية الثورات والصراعات في العالم العربي وتداعياتها، هو سعي جدي وعلى قدم وساق.. وان الراغبين في الحلول مكانك، يسعون الى استمالة ما وراء الستار، ومن وراءه، لجعل الكواليس بعداً انعكاسياً على دورك المتراجع في التأليف او في الحسم؛ بعضهم يريد السلطة كاملةً، والبعض الآخر يريد ان تتحول مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، الى "امانة سرّ" لمجلس الوزراء، لتوقّعا المراسيم "المملاة" عليكما، والبعض الثالث ينتظر صدفة "صفدية" تجعل امكان الاستبدال اكثر منطقية، وعجز الذهاب الى خيارات أقسى، فرصة محلية، ولحظة اقليمية.
ان الطمأنينة التي يبديها الرئيس نجيب ميقاتي ليست مطمئنة، ومن واجبه كرجل دولة ان يكون مالكاً لسيناريوهات بديلة عن الجمود السائد اولاً، وان يكون لديه القدرة على القرار او الاقرار بالعجز ثانياً، وان يتمكن من امتصاص فائض قوة الوضع المعطَّل وصواعقه ثالثاً ، فلا ينفتح لبنان بالتالي، على احتمالات كبيرة.. وخطيرة.
ليس ما يفسر هذه الطمأنينة وهذا الهدوء الا الارتباك الناجم عن تراجع اضطراراي في الامكانات، والا ما معنى الاقدام على صفع 8 آذار من قبل أحد أكبر اقطابها واكثرهم حنكة نبيه بري، وفي هذا الوقت بالذات؟!
ليس مطمئناً على الاطلاق ان يكون الرئيس المكلّف والمواطن على ذات السوية من المعرفة، ولسنا نطالبه ان يكشف لنا ما يعرفه، حسب الميقاتي فقط، ان لا ينتظر او يجعلنا ننتظر، فليتحرّك… او يعتذر!