#adsense

وضع “سائب”… لا حكومة ولا من يحكمون

حجم الخط

لا يمكن ان يستمر الوضع وان يصمد طويلاً من دون حكومة . صحيح ان لبنان في وضع تصريف أعمال منذ خمس سنوات، فلا حكومات منسجمة ومنتجة ومستقرة بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية (حكومة تصريف الاعمال اليوم)، والمجلس النيابي في إجازة شبه مفتوحة وعمله التشريعي ضعيف جداً، ولا موازنات سنوية وفق الاصول، ولا مشاريع كبرى تشكل قيمة مضافة إلى ما سبق على صعيد تحسين البنى التحتية أو تحسين مستوى المعيشة والخدمات ، والناس تئن تحت وطئة الحياة الاقتصادية والمعيشية الصعبة والغلاء الفاحش، وتعاني من الفساد المستشري في معظم إدارات ومؤسسات الدولة. وصحيح ايضاً ان لبنان عرف في الماضي القريب فراغاً رئاسياً ومن ثم فراغاً حكومياً عندما تطلب أمر تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري خمسة أشهر تقريباً… ولكن ما يختلف حالياً ان لبنان يعيش وضعاً ضاغطاً على الصعيدين الداخلي والاقليمي، بحيث لم يعد بمقدوره مواجهة الاستحقاقات في داخله والتطورات في محيطه من دون حكومة تحكم ومجلس وزراء يجتمع ويرسم السياسات العامة ويأخذ القرارات اللازمة.

في المنطقة اوضاع مضطربة ومتحركة، وعدوى الثورات والاحتجاجات تنتقل من بلد إلى آخر وتصيب كل الانظمة حتى التي تصورت نفسها تتمتع بمناعة ذاتية وحصانة وحماية دولية. ومع وصول الحريق الشرق أوسطي إلى بلدان قريبة، وإلى بلدان خليجية تعني لبنان وتنعكس احداثها عليه، بات لزاماً على اللبنانيين مسؤولين وسياسيين وضع خلافاتهم جانباً والنظر إلى المصلحة الوطنية العليا والارتقاء إلى مستوى المرحلة الدقيقة والخطرة لإقفال الثغرات والمسارب التي يمكن ان تتسلل منها رياح المنطقة التي عنوانها رياح تغيير فيما هي في الواقع رياح اضطراب وتقويض للاستقرار… ولا يمكن في حال عربية واقليمية كهذه ان يكون غارقاً في "الفراغ الموحش" وأبوابه مشرعة على كل الاحتمالات والمفاجآت، وان يظل وضعه "سائباً" من دون حكومة ولا من يحكمون.

وفي وقت تطرق التحولات العربية الباب اللبناني وتُلقي بظلال كثيفة من الحذر والترقب والشكوك على الوضع في لبنان والمنطقة، يواجه لبنان جملة أوضاع داخلية ضاغطة واستحقاقات ادارية ومالية داهمة لا يمكن تجاهلها ولا تأجيلها ولا يمكن حلها إلا بمواجهتها وبتها عبر قرارات عاجلة صادرة عن مجلس الوزراء مجتمعاً… وفي هذا المجال فان المسألة الاكثر إلحاحاً والتي ستفرض نفسها قريباً جداً هي المتعلقة بالتجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة لما لهذه المسألة من أثر مباشر على الاستقرار النقدي وسلامة الوضع المالي والمصرفي في لبنان. يضاف إلى هذا الاستحقاق والشغور المحتمل في حاكمية مصرف لبنان، موضوع الشواغر والفراغات على نطاق واسع في الادارات والمؤسسات وفي مراكز أمنية وقضائية وادارية حساسة، إلى درجة أصبحت الدولة شبه معطلة ومجمدة وانتاجية المؤسسات العامة دون الحد الادنى، واصبحت مصالح الناس وحاجاتهم غير مؤمنة ومهددة فعلياً…

وإلى تردي أوضاع الادارة والمؤسسات ، بات الفراغ الحكومي سبباً في اهتزاز الاستقرار السياسي والامني. والتجاذبات والانقسامات والمشاورات السياسية لم تعد تحكمها ضوابط وروادع لمجرد خروجها من اطار المؤسسات واحتمال عودتها مجدداً إلى الشارع . والحوادث الامنية الغامضة وغير المفهومة تتكاثر وتأخذ اشكالاً متعددة، ورغم انها ما زالت محدودة إلا انه تنبىء باتساع حال الفوضى والتسيّب اذا استمرت الامور على حالها في ظل انكفاء سلطة الرقابة والمحاسبة وغياب سلطة الادارة والرعاية للوضع العام ، أي الحكومة…

كل الاوضاع والتطورات والمؤشرات تدفع في اتجاه ضرورة تشكيل حكومة جديدة في أقرب وقت ممكن وضرورة تسريع وتيرة الجهود والاتصالات الهادفة إلى إخراج عملية التأليف من "عنق الزجاجة"… ولكن الحاجة والضرورة لا تعنيان قيام حكومة "كيفما كانت" ولا تدفعان في اتجاه تجاوز وإسقاط مبادىء وثوابت وخصوصيات وتوازنات تقوم عليها المعادلة اللبنانية وفي اتجاه تغيير واقع أو وجه لبنان السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فليس المهم ان تشكل حكومة وانما المهم ان تكون حكومة قابلة للحياة وقادرة على ان تحكم… فلا تهتز وتسقط عند أول امتحان واستحقاق ، ولا تكون حكومة أزمة فيما المطلوب ان تكون حكومة حل للأزمات المكدسة، ولا تكون سبباً لمشاكل وتعقيدات اضافية تطيح ما تبقى من مقومات واستقرار سياسي وامني وتلحق لبنان بركب الاهتزازات والانهيارات العربية، فيما المطلوب ان يظل هذا الوطن في مأمن ومنأى عنها…

عند البحث عن حكومة مستقرة ومنتجة وقادرة، من الطبيعي ان تتجه الانظار إلى حكومة وحدة وطنية تضم ممثلين عن كل القوى السياسية والكتل النيابية. وقد سعى الرئيس المكلف نجيب ميقاتي لتشكيل حكومة وحدة وشراكة، ولكنه لم يوفق في مسعاه ، فلم يلقَ التشجيع من فريق سياسي هنا ولم يلقَ التسهيل من فريق آخر هناك…

وبعد تعثر خيار حكومة الشراكة والتعاون بين فريقي 8 و14 آذار، يبدو اللجوء إلى "حكومة تكنوقراط" خياراً واقعياً وموضوعياً وناجحاً لأنها تخفف من حدة التشنجات والصراعات القائمة، خصوصاً اذا تلازم تشكيل هذه الحكومة مع استئناف الحوار الوطني في قصر بعبدا، ليتحقق الفصل هنا بين الملفات الخلافية ذات الطابع الوطني والسياسي التي تحال إلى هيئة الحوار لمناقشتها والبت بها بمعزل عن مسار ومسيرة الحكومة التي تتفرغ للملفات والمسائل الاقتصادية والاجتماعية والانمائية.

وهذا الفصل بين الملفات الخلافية التي تتطلب حواراً ونقاشاً هادئاً وتوافقاً وطنياً وبين الملفات "الحياتية" الملحة التي لم تعد تحتمل تأجيلاً وتسويفاً، هو الذي يحقق استقراراً عاماً ويؤمن مسيرة الحكم والدولة ودورة حياة طبيعية على المستويات وفي كل المجالات.

وعندما نقول "حكومة تكنوقراط" لا نعني بها حكومة لا صلة لها بالواقع السياسي وانما نقصد حكومة تضم وزراء مشهود لهم بالدرجة الاولى بالكفاءة ونظافة الكف حيث كل وزير اختصاصي ومميز في مجاله ومؤتمن على المصلحة العامة، ويوحي للرأي العام بالثقة والاحترام . وفي التصنيف السياسي يكون وزراء التكنوقراط خارج الانقسام السياسي الحاد القائم حالياً بين 8 و14، فيكونون مستقلين من دون ان تعني الاستقلالية ارتباكاً وتردداً ورمادية في الرؤية والموقف والقرار… وتناقش حينها القرارات السياسية الكبرى على طاولة الحوار الوطني وهذا الوضع يكون استثنائياً نظراً لصعوبة وخطورة الاوضاع الداخلية والاقليمية.

واذا ارتأى البعض ان حكومة تكنوقراط خيار جيد من الناحية النظرية ولكنه غير قابل للتطبيق عملياً ولا يتناسب مع طبيعة وتحديات المرحلة التي تتطلب حكومة سياسية، فإن مثل هذه الحكومة لا يمكن ان تكون حكومة اللون السياسي الواحد وان تكون إيذاناً بغلبة فريق على آخر.
فإن لا قيامة ولا حياة لحكومة سياسية إلا اذا كانت تتمتع بحد معقول من توازن وطني وسياسي. وهذا لا يمكن تأمينه إلا من خلال أمرين: إعطاء دور فاعل ومؤثر لرئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي من خلال حصة وزارية وازنة تتيح لهما ادارة الحكومة والتأثير على مسارها وسياساتها وقراراتها… والامر الثاني هو الاستعانة بذوي الاختصاص والخبرة والسيرة الحسنة ، فلا يمكن لحكومة سياسية الا ان تكون مطعمة بوزراء تكنوقراط، وهؤلاء ليسوا حكراً على فئة الوزراء غير السياسيين وقد تكون لهم علاقات بجهات سياسية ولكنهم يتمتعون بالمواصفات الشخصية المطلوبة التي تضعهم فوق كل شبهة او تبعية سياسية. ولنا في حكومة تصريف الاعمال امثلة جلية ، من وزير الداخلية زياد بارود المدعوم من بكركي والرأي العام اللبناني والمجتمع المدني و المحسوب على رئيس الجمهورية، زياد بارود الناجح والهادئ والذي يعمل من وحي ضميره دون كيدية وعلى مسافة واحدة من الجميع وهو الذي يمثل قيمة وطنية ويجمع بشخصه بين الكفاءة والاخلاق ، إلى وزير الصحة محمد جواد خليفة الذي يصنف في خانة الوزراء الناجحين في ادارة ادق واصعب وزارة خدماتية على تماس مباشر مع الناس وحاجاتهم الاساسية ودون تفريق بين فريق سياسي وآخر أو طائفة وأخرى والذي عمل خلال حرب تموز بجهد واحتراف ولم يفارق مستشفى الجامعة الاميركية وظل بعيداً عن عائلته واولاده طيلة ايام الحرب حيث بقي إلى جانب المصابين موزعاً المواد الطبية والادوية على كل المناطق ومراكز المهجرين وكان موضع اعجاب القريب والبعيد ، وأقرت مؤسسات ومنظمات صحية دولية بمزاياه ونجاحه. وبالتالي لا تعود تنفع كل محاولات التشويش الجارية على هكذا اصناف من الناس ، ولا يعود من المقبول أو المعقول ان يتم اللجوء إلى وسائل الضغط والتشهير لطمس تجربة وزارية ناجحة والتدمير المعنوي لوزراء ناجحين والتشويش على ادائهم وانجازاتهم من خلال تقارير من هنا واشاعات وتحامل من هناك ومن اجل غايات سياسية وحسابات خاصة وضيقة…

من ناحية ثانية ونحن في زمن ويكيليكس "ثرثار العصر" لا بد لي من القول بأن الشعب اللبناني بكل فئاته وطوائفه سئم التخوين وتوزيع الشهادات في الوطنية ، لقد وصلنا إلى زمن يقولون فيه الشيء ونقيضه، وهنا لابد لكل القوى السياسية وخصوصاً منها "حزب الله" الذي اقول له هذا الكلام بكل محبة واحترام ان يلتزموا بموقف واحد تجاه الاميركيين فأما ان يعتبروا بأن كل ما يصدر عنهم هو ملفق ومفبرك وغير صحيح وهذا ما يقولونه في موضوع المحكمة الدولية وغيرها من قرارات دولية حيث يعتبرونها منحازة ومجحفة بحق لبنان، أو ان يعتبروا الاميركيين وسفرائهم وكل ما يقولونه صادقاً وشفافاً وهم ينقلون لنا الحقيقية في كل الامور ويريدون مصلحة وطننا وقراراتهم تخدم المصلحة اللبنانية العليا.

من المحزن والمؤلم ان نعتمد تقارير فيلتمان ونعتبرها صادقة ومنقولة بامانة وكأنها "انجيل أو قرآن" من اجل تلطيخ صورة الناس والتشهير بهم وأن نعتبر من ناحية ثانية ان الاميركيين من خلال المحكمة الدولية يريدون زرع الشقاق والفرقة بين اللبنانيين وهم كاذبين ويفبركون التقارير ويدسون الدسائس ويحضرون لحرب مذهبية في لبنان والمنطقة إلى ما هنالك من شعارات، فأما كل ما يقولونه الاميركيين صادق وحقيقي وأما كل ما يقولونه مفبرك وغير صحيح ويريدون ضرب الوحدة الوطنية في البلاد، فما يجوز على المحكمة الدولية والقرارات الدولية يجوز ايضاً على كل ما عداه من ويكيليكس وغيره والعكس صحيح.

ولبعض الاعلام اقول لا يجوز تلطيخ صورة الناس والتشهير بهم فقط لأننا نختلف معهم سياسياً أو لأن لدينا حسابات شخصية مع فريق أو اشخاص سياسيين اكانوا من 8 أو14 اذار فلا تبنى الاوطان على الحقد والكراهية، تذكروا دائماً هذا القول قبل التجني على الناس وتلطيخ صورتهم ووضعهم بحرج امام مجتمعاتهم وعائلاتهم وأولادهم.

لسانك لا تذكر به عورة امرىء فكلك عورات وللناس ألسنُ.

المصدر:
صحف

خبر عاجل