من كثرة ما بالغ الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله أوّل من أمس في توظيف مفهوم "المظلومية" إتهاماً أو تبريراً للائحة كبيرة من الموضوعات من حرب تمّوز إلى تسريبات "وكيليكس" إلى مأساة ساحل العاج وتمرّد السّجون، عادَ وتساءل خلال كلمته، وللحظة بدت عابرة، عمّا إذا كان من الممكن بعد أن جرى ما جرى، وحلّ ما حلّ من ظلم مزمن بحقّ الفئة التي يتكلّم بإسمها، أن نعيش سوية، جنباً إلى جنب.
وهذه اللحظة الإنسانية اليتيمة بدت كما لو أنّها تتمرّد على منطوق الخطاب نفسه. بدت كما لو أنّها لحظة تسخر من كلّ مظلومية تقف على رأسها، وتوظّف بشكل متوتّر وغير عقلانيّ، وتربط الأحداث والأقوال والأشخاص في شكل تآمريّ صرف، وتلجأ إلى القيل والقال حيناً، وإلى تبرئة هذا وتذنيب ذاك حيناً آخر، من دون سند وبخبر يقرأ نصفه ويحجب نصفه الآخر. فهكذا "مظلومية تحريفية" لا بدّ وأن يقابلها في المقلب الآخر "مظلومية مضادة" لها، تتناقض معها في الوجهة وتساويها في الدرجة، وليس هناك من يقف على ناصية موضوعية حيادية للحكم على درجة الصحّة في هذه المظلومية أو تلك.
فإذا كان السيّد نصر الله قد أدرج خطبته الأخيرة في باب الصراع بين "مظلومية 8 آذار" في مواجهة "حقد 14 آذار"، فإنّ هذه اللحظة اليتيمة التي تساءل فيها عن إمكان العيش سوية بعد أن جرى ما جرى، وكُشِف ما كُشِف، وقيل ما قيل، هي لحظة أهمّ كثيراً من الإستدراكات التقليدية التالية التي تكرّر أنّنا محكومون بألا يلغي أحد الآخر. ففي الواقع، تبرز هذه اللحظة اليتيمة حقيقة الأزمة الأهلية اللبنانية: ليس ثمّة مظلومية في ناحية، وحقد في ناحية أخرى، بل ثمّة فيض من حقد في كل مكان، وثمّة مظلوميات متصارعة.ّ
والسؤال هنا، هل يعي السيّد نصر الله أهمية اللحظة الإنسانية اليتيمة في خطابه؟ هل يدري أنّ هناك مظلوميات أخرى في هذا البلد، مظلوميّات تتظلّم منه ومن حزبه ومن المنظومة الإقليمية التي يتبعها حزبه؟
والسؤال أيضاً، هل يعي السيّد نصر الله الذي أتى على هذه اللحظة الإنسانية اليتيمة في خطابه بالأمس أنّه يعيد الإعتبار ليس لوليد جنبلاط "ما بعد التوبة" وإنّما لوليد جنبلاط يوم تحدّث في يوم من الأيّام عن إحتمال "الطلاق الحبّي" كحلّ للأزمة اللبنانية؟
إنّ مشهد تصارع المظلوميّات هو من أساسيات المشهد اللبنانيّ الإجماليّ حالياً، وما عاد يقتصر على فئة دون أخرى. فهناك مظلومية شيعية، وأخرى سنية، وثالثة مسيحية، وحتى العلمانيين خرجوا بمظلوميتهم في الآونة الأخيرة، وطبعاً لمّا كان خطاب "حزب الله" هو الأكثر تشديداً على ثقافة المظلومية تأثّر الجميع بذلك في أشكال واعية حيناً وغير واعية حيناً آخر. إنّما كلّ ذلك لا يعني أنّ المظلومية هي في جانب، والحقد في جانب آخر، بل على العكس من ذلك، يعني أنّ الخروج من دوامة الحقد في لبنان يترادف مع تجفيف المظلوميات المتبادلة والمتواجهة، وأنّ العبور إلى الدولة يعني أولاً العبور إلى مجتمع متعافٍ من توظيف وتفريخ وتأجيج المظلوميات المتبادلة، وإلى إرجاء المظلومية إلى التراث الوجدانيّ، في مقابل إعادة الإعتبار للعدل في المعاش اللبنانيّ.
وإذا كان تصارع المظلوميّات وصل إلى درجة حدت بالسيد نصر الله إلى التساؤل ولو بشكل عابر جرى استدراكه سريعاً حول إذا كان من الممكن العيش سوية، فإنّه آن الأوان لطرح هذا السؤال بشكل هادئ وحواريّ بين اللبنانيين، لأنه أجدى وأنفع للجميع من طلب السيد نصر الله لأخصامه بـ"ألا يذهبوا بعيدا وأن يعيدوا حساباتهم وألا يوغلوا في التحريض" ومن باب "الحرص والمحبة والإخلاص للبلد وللوحدة الوطنية".
فهذه الوحدة الوطنية لا يمكن أن تصنع بعقلية 7 أيّار والقمصان السود، ولا بعقلية دعوة من كسب الإنتخابات النيابية في حزيران 2009 إلى التعامل مع الإنتزاع العنفيّ للأكثرية كما لو أنّه لعبة ديموقراطية تقليدية، خصوصاً في مجتمع تعدّدي طائفياً ومذهبياً، بل في مجتمع خرج من أتون حرب طائفية ومذهبية دون أن تسعفه مرحلة ما بعد الحرب في معالجة الشروخات، لا بل أنّ هذه ما فتئت تتعمّق وتستفحل، وكذلك المظلوميات الفئوية المتبادلة، التي يستند كلّ منها إلى مزج بين ما هو واقعيّ وما هو متخيّل، وبين ما هو خوف وما هو كراهية.
إلا أنّ الفارق بين المظلوميات كامن طبعاً في أنّ إحداها تمتهن وتحتكر لعبة السلاح، وتعتنق أيديولوجيا مغلقة، وتبني مجتمعاً تعبوياً مغلقاً، بحيث تصبح به حكماً في موقع "مظلومية المضطهِدين" بكسر الهاء في مقابل "مظلومية المضطهَدين" بفتح الهاء، والمفارقة هنا أنّ المظلومية الأخرى تبقى نسبية، وتحرص على مزج أفعالها وأقوالها بتشديد على الدولة والقانون وضرورة الإنتقال إليهما. وقد يكون من إيجابيات غلوّ "حزب الله" في المظلومية التوظيفية والتحريفية أنّه يدفع المظلوميات الأخرى إلى أن تعتدل بعض الشيء في هذا المقام، إنّما لا يلغي ذلك من المشهد الإجماليّ العام، مشهد تصارع المظلوميّات، الذي أغفله السيد حسن نصر الله، لولا الجملة الإنسانية اليتيمة التي تمرّدت من داخل خطابه على متن هذا الخطاب، وطرحت السؤال الأكثر جدية: هل ما زال ممكناً أن نعيش سوية؟