كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية":
لم تنجح الحملة " المبرمجة " التي خيضت ضدّ وزير الداخلية والبلديات زياد بارود من تحقيق أهدافها، لا سيّما وأنّ تسلسل الأحداث التي رافقت "الانتفاضة المفتعلة والمسيّسة" في سجن رومية أكّدت أنّ خلفياتها تجاوزت بأشواط المطالب التي نادى بها "بعض" المساجين الذين كانوا على تواصل دائم مع أجهزة حزبيّة في الخارج عملت على تنسيق أيّ تحرّك داخل السجن، ليتزامن مع تحرّكات وإقفال طرق خارجه. ومع تراجع التوظيف السياسيّ لمأساة المساجين، فإنّ وزارة الداخلية التي تتابع هذا الملفّ منذ أشهر، مُنكبّة على تطويق كلّ أسباب معاناة السجناء بشكل منعزل عن كلّ الأجواء السياسية الضاغطة على الوضع السياسيّ العام، كما على الوزير نفسه، الذي يتعرّض منذ أسابيع لحملة شرسة عنوانها "محاصرة رئيس الجمهورية"، بغضّ النظر عن كفاءة الوزير زياد بارود، الذي تمكّن في فترة زمنية قصيرة، من تكريس موقعه كوزير حياديّ بعيد عن الاصطفافات القائمة.
وفي هذا السياق، قرأت مصادر وثيقة الصلة بوزارة الداخلية الضغوط التي تجري على أداء الوزارة بشكل عام، وكأنها محاولة مفضوحة لتفريغ إنجازات تحقّقت منذ الانتخابات النيابيّة الماضية التي حوّلت الاستحقاق الانتخابي إلى عملية دستورية وديمقراطية وحيادية، وذلك باعتراف مؤسّسات حقوقيّة وإنسانية دولية، وبالتالي فإنّ المعالجة غير المستجدّة لملفّ السجون في كل لبنان، وليس فقط في رومية، قد ساهمت في تطويق المشروع الذي نفّذ لـ"تفجير" الوزارة بكلّ أجهزتها، وإن كان مسلسل التمرّد في سجن رومية قد حرّك "مستنقع الحكومة العتيدة"، ودفع بعملية التشكيل إلى التسريع بفعل التحدّيات الناجمة عن تحريك الشارع الذي اتخذ من هذا التمرّد عنوانا للتصويب، أوّلا على رئيس الجمهورية، وثانيا على الوزير بارود، الذي كانت قد أجمعت مرجعيّات سياسية وغير سياسية على أنه "الرجل المناسب في المكان المناسب" لأنه بقي على مسافة واحدة من الجميع، "ولم يطلق النار يوما على أي فريق سياسي في 8 أو في 14 آذار".
وبرأي المصادر نفسها، فإنّ الوزير بارود رفض الانجرار إلى الردّ على الجهات التي سعت إلى توريطه وجرّ وزارة الداخلية إلى مواجهة لا تريدها، لا سيّما وأنّ الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، وأيّ حملة على أيّ وزارة هي شخصيّة مئة بالمئة، لأنه معلوم لدى الجميع مدى قدرة وزراء تصريف الأعمال على العمل والإنتاجية، من هنا فإنّ قول الوزير بارود في مؤتمره الصحافي الأخير أنّه " لا يتمنّى لعدوّه أن يكون في هكذا ظرف على رأس وزارة الداخلية "، التي لو تأخّرت لساعات في اتخاذ القرار بإنهاء حالة التمرّد والفوضى التي عمّت سجن رومية، لكان تطلّب إعادة الوضع إلى طبيعته ضحايا وخسائر أكبر. مشدّدة على أنّ استمرار الوضع السياسي المأزوم سيساعد على إبقاء جوّ الخربطة في سجن رومية وفي غيره من الملفّات الحسّاسة التي يمكن استغلالها في الفترة الانتقالية الحالية.
وإذ اعتبرت المصادر ذاتها أنّ أيّ فقدان للتوازنات السياسية القائمة لا بدّ أن يؤدّي إلى "ضعضعة" الحكم وتعثّره عند أي استحقاق مصيري. سألت: ماذا سيكون عليه الوضع لو أنّ وزارة الداخلية أخذت طرفا في السنوات الثلاث الأخيرة في ظلّ الانقسام الحادّ الذي كانت ولا تزال تعيشه البلاد؟ كما سألت عن السبب الكامن وراء عدم طرح أيّ موضوع له علاقة بالقرار الاتهامي والمحكمة الدولية وتركيز الأنظار والاهتمام على التجاذب حول الحصص في الحكومة المقبلة، وبالتالي توظيف كلّ الملفّات الملفّات الداخلية للوصول إلى النفوذ داخل السلطة، ولو حصل ذلك على حساب المصالح العامة للوطن وللاقتصاد وللمواطنين.