يحق للجنرال "أبو نفخة" أن ينفخ أوداجه قدر استطاعته. فتلك عادة لديه طوّرها بالمراس استناداً الى النتائج التي وصلت إليه في الانتخابات التشريعية الماضية، ثم في انتخابات نقابة المهندسين بالأمس.
لكن ما لا يحق له، لا بالأمس ولا اليوم ولا غداً، هو الادعاء بامتلاكه ما لا يملك. ثم الانطلاق من ذلك لتأكيد صوابية رؤاه السياسية المستجدة، تماماً، كما كان يصرخ ويلعلع من شرفة قصر بعبدا في تلك الأيام المنحوسة، عن مدى صوابية تلك الرؤى ومعها الأحلام البونابرتية المعهودة، وكيف وقف ويقف العالم كله ضده وضدها.. الأداء الخلاصي نفسه واللغة ذاتها والنفخة إيّاها. لكن في مكانين سياسيين متناقضين جذرياً!
.. الانتخابات فعل مركزي ضمن الأطر الديموقراطية المعهودة، وهي بمعنى معروف ومعلوم أساس تداول السلطة في كل شأن سياسي أم نقابي، وبالتالي أساس نفي أنظمة الفرض والانقلاب والسلبطة والاستبداد، وكل ممارسة مماثلة تلغي حق الأفراد والجماعات في تقرير من ينطق باسمها ويعبّر عن مطالبها وشؤونها وشجونها.
وذلك المراس الديموقراطي ليس موسمياً، وليس آنياً، وليس ثوباً يناسب مقامات معينة ولا يناسب غيرها. بل هو قانون دائم، أبدي، يتجه العالم بأسره الى الانصياع له، بعد اكتمال الدائرة، التي لا تزال بعض حلقاتها تائهة في الكيان العربي العام!
ولأن ذلك المبدأ، لا يحتمل التزوير، فإن البديهة لا تحتمل الزوغان فيه. وذلك الزوغان هو انتشاء الجنرال (أبو نفخة) بالمعطى الانتخابي بالأمس، فيما أنه قبل الأمس بقليل، شارك في دكّ أسسه بالأرض. بل كان ولا يزال الداعي الأول الى إلغائه من خلال دعوته أصحاب السلاح الى "الحسم" مع الأخصام، ومن خلال احتفاله بالانقلاب شبه المسلح على الأكثرية النيابية الموصوفة.
.. الطريق الى السلطة بأهمية تلك السلطة. بل أهم بما لا يُقاس. وأي شبهة في الأداء عليها تكلّف صاحبها الخسارة سلفاً وتعيده الى زاوية العتم إن لم يكن أكثر: لا تستطيع أن تتغنى بنتيجة الانتخاب عندما تربح، وتملأ الدنيا زعيقاً وصراخاً واتهاماً وافتراءً عندما تخسر. ولا تستطيع قبل ذلك أن تنتشي بتزوير إرادة ناخبيك مرة واثنتين من خلال تغيير تحالفاتك ولسانياتك ونهجك وسياساتك، ثم تضع ذلك في إطار "أخلاقي" من خلال التبجح العلني بأن ما تقوله سراً تفصح عنه أمام المايكروفون؟!
لم يسبق أن افتخر سياسي (أو غير سياسي) بخيانته لتراثه وسياساته التي كلفت دماً بقدر ما فعل ويفعل جنرال الغضب في الرابية.. ولم يسبق أن مرّ علينا، في تاريخنا الحديث، ذلك القدر من وقاحة البلف والتشاوف.. والافتخار بقدرات الغير، ثم مصادرتها وإلباسها للذات الجبّارة!
نعم، قدّ يوصل السلاح أحد الطامحين الى مقعد في السلطة.. لكنه حكماً لا يضمن له الاستقرار فيه وفيها أولاً، ولا يضمن له مكاناً في ضمائر الناس ثانياً وأبداً!