قد يكون أسخف ما يطلب منّا تصديقه في العالم العربي أنّ «الأنظمة» الديكتاتوريّة قادرة على إنجاز عملية إصلاح أو انفتاح، وأسوأ ما تروجّه الأنظمة أنها تشرع في عمليات تغيير وإصلاح، ثمّة أثر يقول «فاقد الشيء لا يُعطيه»، فكيف يتحوّل «الديكتاتور» من طاغية ضيّق الصدر يتسلّط على الناس بالمعتقلات والسجون والتعذيب يقمع الرأي ولا يسمع صوتاً إلا صوته، كيف نصدّق أنّه قد يتحوّل إلى «ديموقراطي» يقبل بالتعددية، ومنفتح يقبل وجود أحزاب أخرى تمارس السياسة غير الحزب الحاكم منذ عقود في معظم الدول العربيّة، كيف يقبل «الديكتاتور» تغييراً سينزع من يده السلطة والكرسي ويطيح بنظامه!! كلّ البلاد التي شهدت ثورات، خرج «طغاتها» ليتحدّثوا عن إجراءاتهم الإصلاحية فيما هم فاسدون هربوا بأموال الشعوب بعدما عجزوا عن مواجهة طوفان الشعب…
يطلّ الرئيس الأميركي باراك أوباما، أو رئيسة الاتحاد الأوروبي يخاطبون هذا النظام أو ذاك مطالبين بضرورة تعجيل الإصلاح وخطواته، والشعوب باتت تحفظ عن ظهر قلب مخادعة الأنظمة وأساليبها المنمّقة في تصوير الأمور على غير حقيقتها…
«العصى الغليظة» لم تعد كافية!! الرّصاص الحيّ هو الحلّ، تطوّق الدبّابات المدن، تخرج الأنظمة وجهها الحقيقي: «المسّ بالنظام والأمن»، كيف يدّعي العالم أنّه ينتظر إصلاحاً من هؤلاء!!
يمرّ العالم العربي بحقبة حتى الساعة لا نستطيع أن نعنونها باسمها الصحيح، فحالاتها تختلف من دولة إلى أخرى، ولم يتمّ تظهير الصورة النهائية لكلّ ثورة، ولكن؛ ما يحدث يؤكّد أننا على عتبة مرحلة جديدة ومختلفة لم تتبلور صورتها بعد وهذا ما يثير القلق…
وأخطر ما في هذه المرحلة أنها حقبة تغيير «دموي» قد يكون الأقل دموية في مشهدها حتى الآن هو التجربة المصريّة، والأكثر عنفاً وترويعاً هو التجربة الليبيّة، عملياً، علينا أن نقرأ جيداً محاولة النيل من الجيش المصري وضرب العلاقة بينه وبين الشعب، هو آخر المؤسسات السليمة في مصر، بعد انفراط جهاز الأمن المركزي، وحل جهاز أمن الدولة، والتسيّب الأمني الذي يفتك بالشارع المصري…
أما في التجربة الليبيّة والتجربة اليمنيّة فالفارق ليس كبيراً بين دموية التجربتين، والخوف حقيقي من وقوع التقسيم في اليمن وفي ليبيا أيضاً وانخراط الفريقين في حرب أهلية، أمّا النموذج السوري والذي ينحو مسرعاً نحو العنف والدماء، فهو أيضاً بدأ يصبح موضع تساؤل حول الأيام المقبلة التي على النظام أن يواجهها وأي إصلاح سيقدّم فيما الأنباء تتوالى عن سقوط الضحايا، ومسلحين ملثمين يطلقون النار عشوائياً يستقلّون سيارات حديثة معهم من يرافقهم ويوصلهم إلى سياراتهم، فيما يعجز الأمن عن القبض على واحد منهم في دولة تعتبر مخابراتيّة بامتياز؟!
وإذا زدنا على هذا المشهد المعقّد بلوغ المواجهة حداً مقلقاً بين منطقة الخليج العربي وإيران، نفهم أن السؤال أبعد بكثير من ثورات شعوب «نخّت» للقمع كثيراً وطفح كيلها، ووسط هذا المشهد الغاضب لا يجب أن تحجبنا «همروجة» الثورات عن المشهد الذي ما زال خلف الستار، في أي منطقة سنعيش، وما الذي سينتهي إليه هذا المشهد الغامض دول من غير رؤوس، في يد حكومات انتقاليّة، وضعف أمني شديد، قد تكون «اللبننة» والتقسيم النموذج الأخطر الذي ستدخله المنطقة، بعد انتهاء دور أنظمة لم تحترم شعوبها ولا الأوطان التي حكمتها، نحن نعيش نهاية حقبة سوداء من تاريخ المنطقة، إلا أن السؤال الحقيقي ما هو لون المرحلة المقبلة؟ كلّ الخوف أن تكون مرحلة «حمراء» لا بيضاء، أو أكثر سواداً ممّا عاشته طوال نصف قرن من الزمن على يد أنظمة الحزب الواحد!!