يتردّد مسيحيّو لبنان، وهم مسمّرون أمام شاشتَي الجزيرة والعربية اللتين تنقلان التطورات المتسارعة للربيع العربي، في اتخاذ أيّ موقف.
والتردّد ليس ناتجا عن غموض المشهد الذي يتكلم عن نفسه وهو يتكرر في تونس ومصر وليبيا والبحرين وأخيرا وليس آخرا في سوريا، بل ينطلق من الخوف الوجوديّ للأقلية الخائفة والمرتابة من كلّ ما يحيط بها، ما يدفعها إلى مواقف تعبر عن استقالة من مسار تاريخي طالما انتظرت أن يصل إلى سكة النهاية السعيدة، التي صدحت بها الحناجر في تونس ومصر وليبيا وسوريا مردّدة الشعار المقدس – الأيقونة – لمسيحيّي لبنان والشرق: حرّية حرّية.
فعندما هتف شباب ربيع العرب هتاف الحرّية محققين لسمير قصير نبوءته التاريخية التي أطلقها من ساحة الحرية في عاصمة الحرية بيروت، كان المسيحيّون في لبنان يسمعون الصدى عن بعد، ويكادون يطردون رجعه بقسوة لاستبداله بهتاف يحاكي هواجس الأقلية الخائفة التي تقرأ في ربيع العرب حكاية انتقال خطرة، من استقرار مصطنع أمّنته أنظمة الاستبداد، إلى مجهول لا يركن إلى ما قد تكون نتائجه، وليس حكاية تعبّر عن تتويج لرحلة طال انتظار خواتيمها السعيدة المتمثلة اليوم برؤية عصر الأنوار العربي، يشعّ في كل مدينة عربية، ويتجسد رافعا قيَم التبشير بحقوق الإنسان والمواطنة وقبول الآخر وبناء دولة المؤسسات وإسقاط نظم الاستبداد، والتصالح مع روح العصر، وتقديم صورة جديدة إلى العالم من مدينة كالقاهرة ينظّم ثوّارها في قلب ميدان التحرير صلاة الجمعة بالتزامن مع القداس، وهو نموذج صنع في بيروت في العام 2005، وكادت بيروت أن تفقد حق ادّعاء أبوّته.
ومن مفارقات مسيحيّي لبنان الذين قدّموا للعالم العربي جزءا من نهضته الشاملة، منذ ما قبل عصر التتريك وصولا إلى مطلع القرن العشرين، أنهم اليوم يلعبون دور الأقلية المسيحية الأكثر خوفا، وذلك في توقيت يفترض أن يقدم لهم المزيد من الاطمئنان، لأنّ محيطهم أصبح يشبههم أكثر ولأنهم أصبحوا أكثر اندماجا بمحيطهم، فقلق مسيحيّي لبنان على أقباط مصر أكبر من خوف الأقباط انفسهم، الذين كانوا بنُخبهم مشاركين في ربيع القاهرة، وخوف مسيحيّي لبنان على مسيحيّي سوريا لا يشبه بشيء انخراط النخب السورية في ربيع دمشق، إذ ليس المفكّر المسيحيّ ميشال كيلو الوحيد المنخرط في مسار التغيير، ولكن الخوف، على ما يبدو، يتطور ليصبح أشبه باستقالة جماعية من الدور والمسؤولية، فهل سينجح اللقاء المسيحيّ الرباعي الذي يتمّ التحضير لعقده في بكركي من العبور من داخل هذا الخوف، إلى الفضاء العربي الجديد الذي يرتسم بسرعة تمدّد هائلة تكاد تتخطى كلّ الحسابات؟
لعلّ المؤشرات الأولى لهذا اللقاء تنبئ بأنّ المنطق الذي خطط لترتيب اللقاء الرباعي، هدف إلى تحقيق نتئاج (هذا إذا تحققت) لا تطمح لأكثر من إتاحة الفرصة أمام تظهير صورة مصالحة عتيقة، لا تصلح للعصر الجديد، ولا تنتج قيما على قياس تراث المسيحيّين العرب منذ أن أتوا بالمطبعة الأولى إلى هذا الشرق، إلى أن نقلوا وآمنوا بقيَم النموذج الذي بدأ ينتصر في العالم العربي.
فهل ستقوم الكنيسة، برأسها الجديد، والتي يتحدث تاريخها عنها، بإمساك المبادرة لوضع مسيحيّي لبنان في محيطهم، حيث يجب أن يكونوا، فيتم حينها طرد هواجس الخوف الأقلّوي، وملاقاة ربيع العرب ملاقاة من انتظر طويلا ربح الرهان، وإذ ذاك يكون لقاء المسيحيّين في بكركي احتفالا بالعصر الجديد، وخريطة طريق لترسيخ موقع المسيحيّين العرب ودورهم انطلاقا من لبنان، فيكون على البطريرك الواعد الذي أطلّ على العالم بكلمته الارتسام التاريخية أن يعدّل كلمة واحدة في النص، فبدلا من أن يقول: نواكب بقلق ما يجري هذه الأيام في العالم العربي، يبشّر المسيحيين بحتميّة أن يراقبوا بأمل ما يجري في هذا العالم لأنّ ربيع العرب هو البداية الحقيقية لبداية جديدة.