كتبت نالسي جبرايل يونس في صحيفة "اللواء": تتوجه الانظار مطلع الاسبوع المقبل الى الصرح البطريركي في بكركي مرة اخرى، حيث تعقد الآمال الكبيرة على البطريرك بشارة الراعي في انجاز المصالحة المسيحية – المسيحية، عبر اللقاء الذي طالما كان منتظراً بين الرئيس امين الجميل ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع من جهة وبين رئيس تكتل الاصلاح والتغيير النائب العماد ميشال عون ورئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، هذا اللقاء الذي بقي لغزاً لم يستطع البطريرك مار نصر الله بطرس صفير فك عقده ورموزه لأكثر من مرة حاول فيها جمع الزعماء الموارنة تحت راية بكركي.
وإذا كان جواب العماد عون في تلك الفترة، ان بكركي او بالاحرى البطريرك صفير لم يعد يمثل كل الموارنة بل انه يتبنى فئة دون اخرى، كان رد سمير جعجع وحلفائه في قوى الرابع عشر من آذار، ومن منبر بكركي ان بكركي هي حامية استقلال وتاريخ الوطن والموارنة.
ومع تقديم البطريرك صفير استقالته دون اخذ الصورة التذكارية الجامعة للاقطاب الموارنة إلا ان البطريرك الراعي الذي اكد ومنذ اللحظة الاولى لتوليه السدة البطريركية انه سيكمل رسالة سلفه، فتح ابواب بكركي واسعة امام موارنة لبنان والانتشار، ليكون الصرح البطريركي أباً روحياً لجميع الموارنة وزعمائهم، وسيد الصرح راعياً لشؤون الطائفة المارونية وهمومها بما يتوافق مع الحاجات الروحية والزمنية لابناء الطائفة.
ولعل الراعي لم يفرض هذه السلوكية في التعاطي من موقعه في السدة البطريركية انما تاريخه في التعاطي مع شؤون الموارنة وزعماء الطائفة من خلال الانفتاح على الجميع واحترام آراء الجميع وتقدير تطلعاتهم الوطنية ولو اختلف في الرأي السياسي معهم، جعل منه بحق، أباً روحياً اكتسب وبسرعة ثقة الشارع الماروني.
ولعل خيار لقاء عون – جعجع في بكركي لم يعد وفق رغبة الطرفين كما يعتقد البعض، إنما ايضاً اصبح واجباً على كلا الزعيمين بعدما قال الشارع كلمته، أن بكركي هي مرجعية الموارنة بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، في وقت تعيش الأمة العربية بأكملها على نغم الشارع وتحركاته.
وإذا بالزعيمين أمام فرصة لا يمكن تضييعها حفاظاً على هيبتهم وعلى استمرارية احترام القاعدة الشعبية لكل جهة منهم. هذه الفرصة اقتنصها الراعي عبر دعوة الطرفين للقاء في بداية مسيرته البطريركية، الا أن الاجتماع ليس لاقناع فئة بوجهة نظر الأخرى، أو لمجاملة الراعي وامتصاص غضب الشارع من الانقسام الماروني من جهة أخرى. فقد أراده البطريرك الجديد لقاء توضع فيه الخطوط العريضة لحماية الطائفة المارونية ولم شملها من دون التطرق إلى الشؤون السياسية. وهذا ما قصده الراعي في تصريحه "إن اللقاء الماروني – الماروني سينعقد إنما بشكل آخر".
وأكدت مصادر أن الاجتماع لن يكون يتيماً لرفع العتب، إنما ستتشكل خلاله ورقة عمل، وقد تنبثق عنه لجنة متابعة بغية الحفاظ على ثوابت مسيرة الموارنة رغم الانقسامات السياسية الحادّة، بما في ذلك الاعتناء بشأن الاغتراب الماروني وحق الشباب في فرص عمل لائقة والحد من الهجرة وتثبيت دعائم العائلة المارونية بما يحفظ اصالة الموارنة وتاريخهم.
وإذا كان الاجتماع الأوّل قد تقرر له أن يكون على صعيد ضيّق، أي انه لن يجمع كل قيادات الطائفة المارونية من رؤساء أحزاب وسياسيين، الا أن هذا اللقاء سيستكمل بلقاءات أوسع بعد تفكيك العقد القائمة بين جعجع وعون وفرنجية والجميل تمهيداً لارضية مشتركة من التعاطي تجاه الشأن المسيحي خصوصاً في ما يتعلق بقضية بيع الأراضي وضبط القواعد الشعبية بما يحمي الشارع المسيحي من الانفلات او التشرذم.
وترى أوساط أخرى أن الحاجة إلى رص صفوف المسيحيين باتت ملحة في وقت لم يعد لبنان بمنأى عمّا يجري في الشارع العربي من توترات.
وبالتالي لا يمكن تصوير اللقاء المسيحي في بكركي، حدثاً وحيداً في الزمن والتاريخ، يعني الموارنة بمفردهم، إنما ايضاً يعني كل اللبنانيين، بما يدعم الوضع اللبناني ويحصنه داخلياً لمواجهة التحديات الخارجية.
ولعل الصورة الامثل والأنسب التي استطاع الراعي جمع الاطراف من خلالها هي في اللقاء داخل الكنيسة بمباركة راعوية يقوم من خلالها الزعماء الموارنة تهنئة الراعي نيل درع التثبيت من روما ويظهر الراعي بصورة الاب الروحي للطائفة وزعمائها بما يرضي جميع الاطراف، خصوصا زعيم التيار الوطني الحر والزعيم الشمالي سليمان فرنجية اللذين طالما أصرا ان تكون بكركي مرجعية روحية، وان يترك العمل السياسي للسياسيين.
وهنا يرجع المعنيون ان يبتعد اللقاء عن التعاطي بالشؤون السياسية التي هي خط احمر للاطراف جميعاً ولا احد يريد ان يحيد عن المواقف التي يتبناها، بل قد يتم الاتفاق على مصالح وطني للطائفة المارونية الى جانب الشؤون الداخلية للطائفة.
وفهم ان القيادات الاربعة وافقت على اللقاء فور مفاتحتهم بالامر، ووفق برنامج اشرف الراعي عليه، بحيث يتم اللقاء في الثامنة من صباح الثلثاء المقبل ويحضر القادة الاربعة معا مع بعض المطارنة القداس ثم تعقد خلوة روحية في ضوء مضمون عظة البطريرك، على ان يتناول الجميع الفطور الى مائدة البطريرك، يعقد بعدها اجتماع مغلق تطرح فيه كل الهواجس والملفات بدءا من العلاقات مع سوريا الى آخر ملف مطروح يهم المسيحيين.
وتفيد المصادر الى ان القادة الاربعة وافقوا على اللقاء وعلى ان يبقى رباعيا ويتوسع لاحقا في ضوء النتائج التي قد ينتهي اليها الاجتماع الاول بين القوى المسيحية.
وعلم ان احد الذين عملوا على التحضير للاجتماع اعد ورقة عمل تتضمن الهواجس المسيحية المتعددة في ظل التطورات على الساحة اللبنانية والخارجية،وسيتولى البطريرك طرحها للمناقشة. واشارت المعلومات الى ان القادة الاربعة المدعوين الى الاجتماع قد يعدون كل من جهته ورقة سياسية يضمنونها مواقفهم من المسائل والقضايا المطروحة، وهواجسهم مع الاقتراحات التي قد يعرضونها كحلول لهذه المشاكل، على ان ينتهي الاجتماع الى صياغة ورقة مشتركة يصار العمل على مناقشتها من خلال لجنة متابعة ربما توسعت لاحقا لتضم ممثلين عن اطراف سياسية اخرى في الشارع المسيحي.