#adsense

مجمع الشرّ: تعريض بالكيانية اللبنانية وتمادِ في الهيمنة

حجم الخط

في الذكرى السادسة والثلاثين على اندلاع الحرب اللبنانية، وبالدرجة الأولى حرب السنتين، ما زال هناك من يصرّ على ارتكاب الخطأ نفسه الذي ارتكبه "اليسار" آنذاك، أي التعريض بالكيان وتفجير المجتمع بحجّة تغيير النظام، وبسبب من صعوبة تغيير النظام. في هذه الذكرى، أيضاً، ما زال هناك من يصرّ على ارتكاب الخطأ نفسه الذي ارتكبه "اليمين" آنذاك، أي التوهّم بأنّ مشروع الهيمنة الفئوية يمكن أن يدوم طويلاً في بلد كلبنان، وأن يتزوّد بمخالب فاشية، وبأنّه يمكن للطوائف المغلوبة على أمرها أن تستكين للغلبة.

والفارق الكبير بين عام 1975 وبين ما يحدث اليوم، أنّ من يرتكب خطأ التعريض بالكيان وتفجير المجتمع بحجّة تغيير النظام لا يبتعد كثيراً عن الطرف الذي يعمل على تأبيد مشروع الهيمنة الفئوية المسلّحة وعلى تثبيته كنظام للغلبة المديدة على البلاد، وكنظام للتبعية المباشرة لمنظومة الممانعة التي يقودها "الحرس الثوريّ الإيرانيّ".
بمعنى آخر، انتقلنا من "انشطار 1975" إلى "فصام 2011".

يوم اندلعت الحرب، انشطر البلد بين راغب في "التغيير" وبين مصرّ على "الإستقرار"، فهذا يسمّي ما يريد انتزاعه "امتيازات"، وذاك يسمّي ما يريد الاحتفاظ به "ضمانات".
أمّا اليوم، وبشكل رسميّ منذ زيارة محمود أحمدي نجاد إلى لبنان التي دشّنت انقلاب القمصان السود، فيعيش البلد "فصام" المشروع المذهبيّ الأيديولوجيّ، الفئويّ الشموليّ، فالجنوح إلى الغلبة يترافق مع رفض تام للكيانية اللبنانية.

وفي هذا الإطار، ليست الحملة اللاطائفية إلا صورة للفصام: يطالبون بالمواطنية بدلاً من الطائفية دون تأمين شرطها اللازم، أي الكيانية، بل على أساس الانقضاض على كل ما هو كيانيّ، ذاكرة ونشيداً. يريدون إسقاط "النظام الطائفي" من دون أن تقوم في لبنان دولة أمّة؛ بالعكس تماماً، يريدون إسقاط النظام.. لافتداء المقاومة المذهبية، والأمّة المذهبية، أي بالابتعاد تماماً عن شبهة الدولة الأمّة.
بل إنّ هذه الحملة اللاطائفية المزعومة تتذاكى أكثر وتقول إنّها غير معنية بموضوعة "إلغاء الطائفية السياسية"، لأنّها الموضوعة المحبّبة عند رئيس المجلس، ومعظم من ينشط في الحملة الأخيرة يفضّل "حزب الله" على حركة "أمل" وهذا أيضاً خطأ كبير وقع فيه الجميع في لبنان بعد الحرب، ويترافق مع خطأ آخر وهو التصديق على المقولة التي يبثّها "حزب الله" من أنّه لم يشارك في الحرب الأهلية اللبنانية، وهذا كذب، إلا إن كان المقصود أنّ الحرب الأهلية داخل الطائفة الواحدة لا تُُحتسب، أو أن اليسار الذي جرى استهدافه في الثمانينيات نخبوي ولاطائفي، وبالتالي أيضاً لا يُحتسب!!

في الواقع، فإنّ الموضوعة المحبّبة عند رئيس المجلس تبقى أسلم للنقاش بين اللبنانيين من الدعوة المتوترة والهزلية إلى "اسقاط النظام الطائفي"، أوّلاً لأنّها تترافق مع تصوّر إصلاحيّ كامل وضعه اتفاق الطائف ويتّصل بقيام اللامركزية الإدارية الموّسعة وإعادة النظر في التقسيمات الإدارية وبإقامة مجلس شيوخ، هذا دون أن يكون واضحاً ما معنى إلغاء "الطائفية السياسية"، فهذه لا يمكن أن تعني الخروج من طائفية مقيّدة بنصوص وضوابط إلى طائفية إباحية تحاكي العنصرية، زد على أنّ أي حماسة فئوية لإلغاء الطائفية هي سبب إضافي للإحجام لا الشروع.

أمّا "الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية" فيمكن القول بصددها إنّ المعني بإنشائها، وبحسب الطائف والدستور، كانَ أوّل مجلس ينتخب على أساس المناصفة، وهذا المجلس المنتخب عام 1992 ضيّع الفرصة، فهو انتخب خلافاً للطائف من جهة، وفي ظلّ عدم الالتزام بروزنامة الطائف لإعادة انتشار القوات السورية من جهة أخرى، ناهيك عن عدم الإلتزام بحلّ الميليشيات وفقاً للطائف أيضاً. وضياع هذه الفرصة يومها، لا يجعلها قابلة للطرح بشكل تلقائيّ في المجلس الرابع بعد الطائف، فليس في الطائف ولا في محاضره ما يفرض ذلك.

والمناصفة، التي كان يمكن أن تكون تدبيراً مؤقّتاً لو جرى تطبيق الطائف بالشكل المثاليّ بعد انتهاء الحرب، صار بقاؤها ضرورة لمرحلة تاريخية كاملة الآن، بل صارت ديمومتها شرطاً لنهائية الكيان. ليس هذا فحسب، بل صارت القاعدة الميثاقية التأويلية التي على أساسها ينبغي إعادة تفسير المُشكَل من بنود في اتفاق الطائف وفي الدستور اللبنانيّ.

وفي هكذا وضع، فإنّ الممارسة اللاطائفية الحقيقية، أي تلك التي تحثّ على إقامة العدل بين الطوائف اللبنانية وعلى إعطاء حيّز مستقلّ للدولة اللبنانية فوق الطوائف، هي ممارسة تجد في المناصفة شرطاً لها، في حين صارت الحملة اللاطائفية المزعومة التي تتعرّض للكيانية والمناصفة هي أبشع ألوان الطائفية. فعلى الأقل، كل من 8 و14 آذار مختلط طائفياً، بخلاف الاختلال الطائفيّ الفاضح في حملة "إسقاط النظام!".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل