#adsense

ريفي روى لـ “النهار” وقائع ليلة إخماد تمرّد رومية

حجم الخط

كتب عباس صالح في صحيفة "النهار": روى المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي لـ"النهار" وقائع الساعات التي أمضاها في قيادة غرفة العمليات في سجن رومية ليل الثلثاء الماضي التي أنهت "التمرد المنسق" الذي نفّذه السجناء مطلع الاسبوع الماضي، «والذي لو ترك ساعات اضافية لحلّت بلبنان كارثة.

اولاً على صعيد السجن نفسه، الذي حالت المشيئة الامنية دون وقوع مذبحة كبيرة في داخله، وثانياً على مستوى المجتمع اللبناني الذي كتب له ان يتقي شر مخاطر كبرى اقلها الدخول في شريعة الغاب، وثالثاً على هيبة الدولة".

يفصّل ريفي رؤيته هذه بالقول: "إن حركة الاحتجاجات التي تجددت يوم الاثنين الماضي في سجن رومية، وترافقت مع احراق اطارات في المناطق، بيّنت لنا كأن ثمة غرفة عمليات واحدة تحرّك السجناء واهاليهم معاً، الامر الذي نبهنا الى ان الامر ابعد من تحرك مطلبي. اعطينا المفاوضات فرصة يومين، لكن الامور الميدانية كانت تتدهور بسرعة، حتى وصلنا الى مرحلة نعتبرها مرحلة "الخط الاحمر" الذي ينذر بسيطرة السجناء على السجن، وهم كانوا قد وصلوا الى ابوابه فعلا، وبالتالي كانت المرحلة الثانية تقضي بخروج كل السجناء وعددهم اكثر من 3700 سجين.

الاخطر من ذلك هو ما نعرفه عن طبيعة السجناء في رومية، الذين نتعاطى معهم من منطلق انهم مقسمون الى 3 مجموعات متنافرة الى اقصى الحدود، وبالتالي فإن العلاقة بين هذه المجموعات اقل ما يُقال فيها انها علاقة متفجرة، وبالتالي اذا وصل اي فريق منهم الى الفريق الآخر لكانت وقعت مذابح في ما بينهم".

كيف؟ ولماذا المذبحة؟ وما هي طبيعة هذا الفرز والاصطفاف بين المجموعات الثلاث؟

يقسّم ريفي ورقة بيضاء امامه الى ثلاثة اقسام، يكتب في القسم الاول "المجموعة الجنائية" ويعرفها بأنها تشمل السجناء والموقوفين بجرائم قتل وسرقة وتجارة وتعاطي مخدرات وغيرها. اما القسمان الآخران فيربطهما ويدوّن على الهامش عبارة "ذوو الخصوصية الامنية" قبل ان يقسمهما الى مجموعة "الاسلاميين" ("فتح الاسلام" وغيرها) ومجموعة الموقوفين والمحكوم عليهم بجرائم التعامل مع اسرائيل. قبل ان يبدأ الكلام عن هذه المجموعات والعداء المستحكم في ما بينها، يشير ريفي الى "ان هذه المجموعات الثلاث لا يفترض ان تكون في سجن واحد، لكن عدم وجود سجون خاصة لـ"ذوي الخصوصية الامنية" حتّم علينا وضعهم جميعاً في سجن واحد، ولكن بعد عزلهم بعضهم عن بعض بإحكام".

ويضيف: "في الساعات الاخيرة قبل العملية، كان السجناء المحتجون، وهم للمناسبة من مجموعة السجناء الجنائيين فقط، قد تمكنوا من إزالة أغلب الابواب الحديد الفاصلة بين المجموعات الثلاث، واصبح عدد الابواب الفاصل بينها قليل جداً، اذذاك تأكدنا ان الامور وصلت الى الخطوط الحمراء، وان اي تأخير لساعات من شأنه ان يحمل تطورات دراماتيكية بعد تحطيم الابواب المتبقية، لانه مع وصولهم بعضهم الى بعض لا بد سيحصل الاحتكاك الحتمي بين هذه المجموعات، وهو اخطر ما يمكن ان نصل اليه، أي المذبحة.

في هذه الدقائق اضيف عامل جديد بعدما اشعل المحتجون حريقاً كبيراً في سجن الاحداث واصيب حدثان بحروق متوسطة، وبدأت نداءات الاستغاثة تخرج من هذا السجن، لان السيطرة عليه لم تعد ممكنة.

وأمام هذه التطورات كان علينا ان نتخذ القرار، ولا سيما اننا ندرك ان اي تأخير ستكون نتائجه وخيمة. استنجدنا بداية بطوافة للجيش لاطفاء الحريق بسبب تعذر الوصول اليه بسيارات الاطفاء، وتشاورت شخصياً مع قائد الجيش، واتفقنا على خطة مشتركة للانقاذ قضت بأن نكلف النخبة لدى الجيش (المغاوير) والنخبة لدينا (الفهود وقوى التدخل) لتكون العملية نموذجية ودون خسائر بشرية كبيرة. وضعنا نصب اعيننا ان نتحمل، كما في كل عملية امنية، هامشاً من امكان وقوع ضحايا بعدد محدود من السجناء او من رجالنا، وهكذا بدأت العملية التي نعتبرها عملية امنية عسكرية تدخل في صلب مهماتنا ولا تحتاج الى قرار سياسي، باعتبار اننا ملزمون بموجب القوانين حفظ الامن والنظام في السجون، وحماية المجتمع من مخاطر الخارجين على القانون، وحماية السجناء من انفسهم وبعضهم من البعض الآخر.

بدأ التنفيذ نحو الخامسة مساء، وانتهت العملية نحو الرابعة فجراً. لم نستعمل مطلقاً الرصاص الحي، بل استخدمنا القنابل الصوتية والقنابل الوميضية والرصاص المطاط كما يحصل في أرقى دول العالم، ورجالنا مدربون على ذلك، وكانت النتيجة سقوط ضحيتان كما بات معروفاً ونحو 14 جريحاً من السجناء، واغلب جروحهم غير خطرة، كما اصيب 5 عناصر من الفهود اصاباتهم بسيطة".

ونسأله عن تقويمه للعملية، وما اذا كان في الامكان تجنب وقوع ضحايا، فيجيب: "نسبياً نعتبر العملية نموذجية قياساً بعمليات مماثلة حصلت في دول مجاورة وبعيدة. ولا شك نأسف لوقوع الضحايا، انما لم يكن امامنا خيار آخر لتجنب الاسوأ، وهو الصدامات بين السجناء ووقوع المذبحة، وسيطرة السجناء على السجن، وما سينجم عنها من ضربة معنوية لهيبة الدولة، ثم فرار السجناء، وبينهم الارهابي، والعميل الاسرائيلي، وتاجر المخدرات، والقاتل، والسارق، وهؤلاء لو فرّوا لكانت بداية لشريعة غاب".

ويستعيد ريفي ما قاله البعض بخيبة امل، فيقول: "خرجت اصوات تهوّل علينا وكأننا ارتكبنا الموبقات أو كأنهم لا يعرفون مخاطر الخيار الآخر فيما لو تركنا الامر او تقاعسنا ولم نقم بواجباتنا القانونية والوطنية، وقد تمادى البعض الى درجة صوّر السجناء وكأنهم ضحايا ونحن المرتكبون".

لكن ريفي لا يفقد زهوه وعنفوان الضابط الذي فيه ليقول: "لقد قمنا بواجباتنا المنوطة بنا قانونياً دون تردد، ونفخر بما قمنا به ونعتبره انجازاً نوعياً، مع اننا نأسف لوقوع ضحايا، علماً اننا بقينا ضمن الهامش الادنى للمخاطر.

اجرائياً قدت شخصياً العمليات من داخل سجن رومية، وكانت قوانا تدخل مبنى بعد آخر، مستعملة القنابل الصوتية والوميضية لدب الذعر في قلوب السجناء المتمردين لتسهيل السيطرة عليهم، وكانت قوى المغاوير تؤازرنا من خلال انتشار لافت في باحة السجن ومن خلال عزلها للمباني الواحد عن الآخر، وكانت العملية قمة في التكامل والتنسيق مع الجيش الذي نوجه اليه الشكر الكبير. كما واكبتنا السلطة السياسية في هذه العملية بمسؤولية عالية".

المصدر:
النهار

خبر عاجل