منذ اندلاع الاحتجاجات في سوريا التي بات يطلق عليها مسمّى الثورة السورية، وحزب الله يتعاطى بكثير من الحذر العلني إعلاميّا وسياسيّا مع ما يجري في الداخل السوري.
وإلى الآن لم يصدر عن أي مسؤول في حزب الله أيّ موقف واضح دعما للنظام السوري، وهذا الأمر لم يكن مستغربا نظرا لأنّ قيادة حزب الله تعرف أنّ هكذا موقف سوف يضيف أعباء على أعباء بالنسبة للقيادة السورية، فضلا عن أنه لا يمكن أن يفيد هذه القيادة بشيء في سعيها إلى إخماد الثورة السورية ومنع انتشارها وتحوّلها إلى حركة يمكن أن تستنسخ النتائج التي حققتها الثورتان التونسية والمصرية.
إلّا أنه على الرغم من اكتفاء حزب الله بدعم إعلامي غير مباشر للقيادة السورية عبر قناة المنار اتخذ طابعا لبنانيّا تحريضيّا على قوى 14 آذار، وأتى على شكل بث أخبار عن تمرير أسلحة من مرفأ طرابلس إلى اللاذقية، وعن تمويل لثوّار سوريا، فإنّ الحزب لم يكتفِ بالتفرّج على ما يجري في سوريا، بل كان على تواصل دائم مع القيادة السورية، هو في الحقيقة تواصل وتشاور ثلاثي إيراني سوري وحزب الله، للمساعدة في توجيه النصح والمشورة على الأقل، وذلك انطلاقا من قراءة لا يمكن إدراجها في علم الغيب أو الأسرار مفادها أنّ أيّ اهتزاز يتعرض له النظام داخل سوريا، سوف تكون ارتداداته أكثر من سلبية، على كلّ من إيران وحزب الله كون سوريا تشكّل الحليف الوحيد لإيران في المنطقة، والقادر على أن يكون على درجة عالية من الموثوقية، والمؤهّل أن يمدّ جسرا آمنا بين ايران وحزب الله بحكم الموقع الجيوستراتيجي لسوريا، وبحكم عراقة هذا التحالف الذي نشأ فور انتصار الثورة الإسلامية في إيران، والذي نما وترسخ إلى درجة أصبح حزبه يشكّل مطلبا دوليّا وعربيا وإقليميا.
منذ بداية التحركات الاحتجاجية السورية تعمّد حزب الله أن يتصرف بعقل بارد، من دون أن يعني ذلك أنّ هواجسه بعد تطور الأوضاع إلى مخاوف، فقام بإصدار تعميم داخلي منع بموجبه عناصره وقيادييه من الدخول إلى سوريا، لقطع الطريق على أيّ احتمال للتوظيف الإعلامي لمعلومات مسرعة تحدثت عن مشاركة عناصره في إخماد الاحتجاجات في درعا.
وتأكيدا على الاستمرار بالامتناع عن الظهور قدر الإمكان بعيدا عن موقع مَن يطلق مواقف الدعم غير المجدية، تفادى أمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله التطرّق، ولو بكلمة واحدة، إلى ما يجري في سوريا، فلم يدعم النظام الحليف ولم يخوِّن الثوّار، بل طبّق مبدأ التزام الصمت والتحفظ.
غير أنّ هذا الصمت من قبل إيران وحزب الله إزاء الأحداث السورية لم يمنع الخارجية الإيرانية من إعلان موقف غير ديبلوماسي دعما للقيادة السورية، مفاده أنّ سوريا تتعرض لمؤامرة غربية بهدف زعزعة بلد يدعم المقاومة، ويعكس هذا الموقف عمق التنسيق الضمني بين القيادتين الإيرانية والسورية، وقيادة حزب الله، وقد توافرت معطيات لأكثر من جهة عربية ودولية تتحدث عن تشجيع إيران للقيادة السورية على عدم التهاون في ضبط الاحتجاجات، لأنّ هذا التهاون سيعطي إشارة تردّد تترجم زخما لحركة الشارع في الاستمرار بالاحتجاج حتى تهديد النظام، وأضافت المعطيات أنّ القيادة الايرانية ذكّرت سوريا بأنّ الحزم الذي استعملته إيران لضبط الثورة الخضراء، هو الذي أعطى النتائج الملموسة لا الحوار ولا التنازل، ولا الرضوخ لمطلب الإصلاح تحت ضغط الشارع.
والواضح أنّ ترجيح خيار التشدّد في التعامل مع الثورة السوريّة قد سلك طريقه، وهذا الخيار، إذا كان يعني الوصول إلى مواجهة عض أصابع مفتوحة في سوريا، فهو بترجمته اللبنانية بدأ يظهر على شكل انحياز سوريّ إلى منطق تشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن، فحزب الله المتضرّر من الإخفاق في توليد الحكومة، قام من خلال اتصالاته بالقيادة السورية بالطلب باستعمال كلّ رصيد القيادة السورية لتشكيل الحكومة، لأنّ ذلك سيعطي انطباعا إضافيا بأنّ صورة خيار التشدّد واعتماد أسلوب المواجهة، لا يكتمل كله سوريّا أو لبنانيّا، إلّا بتخطي عقدة الخشية من الآثار السلبية لحكومة لا تتمثل فيها الأغلبية السنّية.