لطالما كانت مشكلتهم في “8 اذار” – وبخاصة “حزب الله” والحليف المسيحي العماد ميشال عون – انهم دائما يعملون ويتصرفون بمعزل عن الدستور واحكامه، وهم في مرحلة سابقة ما كانوا ليستعينوا بالدستور ووثيقة الوفاق الوطني الا لعرقلة حكم الاكثرية الدستورية المتمثلة بقوى “ثورة الارز” و”14 اذار”. اما ما نشهده اليوم من فوضى في التشكيل فسببها ان الفريق المذكور في “8 اذار” لا يريد الا حكومة على قياسه – حكومة لمشروعه – حكومة لو استطاعوا انم يحولوها كلها الى 8اذار لما قصروا في ذلك.
غداة الانتصار الانتخابي لقوى “ثورة الارز” في 7 حزيران 2009 وتشكل الاكثرية في “14 اذار”، مدت الاخيرة يدها فورا الى الشريك الاخر في الوطن لتشكيل حكومة وحدة وطنية. فانقض فريق “8 اذار” – وفي طليعتهم “حزب الله” والعماد عون – على الطرح الانفتاحي لاسقاط نتائج الانتخابات بفرض شروطهم للتشكيل، فكان التنازل “الكبير” في القبول ببند المثالثة بين جيش وشعب ومقاومة وكان من ثم التنازل الاكبر بمنح الثلث المعطل للنوايا التعطيلية في “8 اذار” وقد استخدم في اسقاط حكومة الرئيس الحريري الاخيرة – وعندما لاحت في الافق مطالبات مشروعة من بعض الافرقاء في “14 اذار” بتشكيل حكومة اكثرية شنت قوى “8 اذار” حملات كاسحة على قوى الاكثرية في “14 اذار” تتهمها برفض المشاركة وبخرق الفقرة (ي) من الدستور حول عدم شرعية اي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك – وكانت اطروحات الرئيس بري حول الديمقراطية التوافقية.
ومع ان المنطق والحق كانا الى جانب قوى “ثورة الارز”، رضخت هذه القوى لكل الابتزاز وتشكلت حكومة الوحدة الوطنية… لا بل الفشل الوطني.
اما اليوم فحساباتهم في “8 اذار” اختلفت والنص الدستوري لم تعد له اي قيمة وخاصة الفقرة (ي) من مقدمة الدستور ومبدأ الديمقراطية التوافقية فيستسهلون تشكيل حكومة “اكثريتهم الانقلابية”… اكثرية السلاح والقمصان السود بدل اكثرية صناديق الاقتراع…
مع ذلك، ورغم انهم فريق مفترض ان يكون موحدا لا يزالون يتخبطون “ويتناتشون” الحقائب واعداد المقاعد الوزارية في مشهد “سوق عكازي” قل نظيره في تشكيل الحكومات في لبنان.
فالساحة خالية للعماد عون للاستئثار بكل المقاعد المسيحية في الوزارة… وقد تنازل عن نظرية النسبية وبات يريد كل الحقائب الوزارية المسيحية في “حكومتهم العتيدة” له… لانه الوحيد في ساحة الاكثرية الانقلابية… ممثل ليس للمسيحيين (ما عاذ الله ذلك) ولكنه الممثل الوحيد للمسيحيين المبتقين معه والمؤمنين معه بثقافة الغاء الاخر وتقديس الشخص على الطريقة “الماوية” – في حين تكتله العريض المسمى “اصلاح وتغيير” فيما هو فعليا “افساد وتعتير” هو في الحقيقة خليط من الزعامات الشمالية على زعامات بقاعية على زعامات متنية ذات خلفيات قومية وشيوعية وحزب الهية مسيحية… بحيث يكاد اللون العوني في هذا التكتل بحد ذاته يضمحل…
والمشكلة لدى العماد وحلفائه هي انهم لا يطبقون الدستور الا بقدر ما تقاس الحلول على قياسهم: فالدستور لا يفرض على رئيسي الجمهورية والحكومة تشكيلات حكومية من الافرقاء… والدستور لا يعتبر “التيار الوطني” ممثلا وحيدا للمسيحيين، وكذلك “حزب الله” و”حركة امل” ممثلا وحيدا للشيعة بل انه يتكلم عن ميثاقية تتخطى القوى الحزبية الظرفية في وقت ما وزمن ما وتحالفات ما…
ما زالوا يفشلون في الاتفاق على التشكيلة لانهم ذهبوا الى ابعد من ذلك: الى محاولة الغاء اي تأثير سياسي ممكن لموقع رئاسة الجمهورية على الحياة الحكومية والسياسية في البلاد – والى محاولة استضعاف الرئيس المكلف بناء لمراهنتهم ان وضعه في موقع مناقض لاكثريته المذهبية سوف يدفعه اكثر فاكثر في احضان قوى “8 اذار” وفي تبنيه لشروطهم وفي تحوله الى خاتم طيع بيد “حزب الله” والعماد عون وحلفائهم…
ولانهم ما زالوا يعتقدون مخطئين ان الغاء ارادة وتمثيل نصف الشعب اللبناني واكثر امر ممكن تجاوزه بسهولة وبساطة بمجرد تكليف موتور من هنا وقمصان سود من هناك وضغط على الارادات من هنالك…
فلا يكفيهم انهم يستميتون في الخوض في غمار تشكيل حكومة لون واحد (والمقصود باللون الواحد المشروع السياسي الواحد اي مشروع تحويل لبنان الى ساحة للصراعات الاقليمية والدولية على حساب استقراره وسيادته واستقلاله)، ولكن ومع ذلك يمعنون في ضرب الدستور بعرض الحائط وانتهاك المفاهيم والثوابت الوطنية التي لطالما قامت عليها التوازنات اللبنانية الداخلية.
فليعودوا للدستور الذي يبقى هو الحل… ان كانوا فعلا ضنينين بلبنان واللبنانيين…
