#adsense

زمن

حجم الخط

تكثُر الغرابة في هذا الزمن وتطوف.
من ذلك مثلاً وأولاً وأساساً، أنّ الفريق الانقلابي وجد نفسه فجأة أسير انقلابه غير المكتمل. إذا تقدم أكثر فتح مشكلة عابرة للحدود ومتعدّدة الجنسيّات والهويّات، وإذا بقيَ في مكانه ضَمُرَ وخاب بيانه ومنطقه وتجربته الوليدة والموءودة في أرضها.

والأمر فعلاً غريب من نواحٍ عدّة. أولاً لأنّ حسابات الانقلابيين كانت على ذلك القدر من الخفّة. وثانياً لأنّ خطواتهم كانت على ذلك القدر من العَرَج. وثالثاً لأنّ تهافتهم كشف عن مرض سلطوي كبير، ما كانت جرعة دواء المقاومة كافية للشفاء منه، أو لتغطيته، أو لستر ذلك الشبق الممجوج إلى التوزير الخطير.

فجأة بدت الآلة المرصوصة وكأنّها حكرٌ على الحزب الحديدي وحده، فيما الآخرون ملحقات ضَرَبَ في بنيانها صدأ لا يليق بشعارات الممانعة والمقاومة وعلوّها فوق صغائر السلطة وامتيازاتها ومكرماتها وثمارها الألذّ من كوز تين أبيض عسلي ناضج في عزّ شهر آب اللهّاب.

والأمر الأكثر غرابة في هذه المسيرة التي انطلقت منذ ثلاثة أشهر أو أقل بقليل، هو اكتشاف الممانعين المناتعين المقاومين الانقلابيين، أنّ روما من فوق هي غير روما من تحت. وأنّ المجالدة والمصارعة والمكابشة مع أهل السلطة شيء، والتنطح لتسيير تلك السلطة والإمساك بلجامها شيء آخر مختلف تماماً بتاتاً.

.. المعارضة أهون وأسلس وأسهل وأهضم، وأكثر شرراً وضرراً بما لا يُقاس. وربما كان خلع ذلك الثوب ضرب من ضروب الاستعجال الآتي من الشيطان الرجيم!
ثم إنّ الأمر أيّها الأخوة والرفاق، الأحبّة الزاحفون زحفاً نحو إصلاح الفساد المستشري في بنية النظام منذ أن كان ذلك النظام وقام ولم يقعد بعد.. إنّ لعبة اتهام الآخرين أفعل من وضع الذات في موضع الاتهام. وهو في حالة الجزء الأكبر من الممانعين ليس اتهاماً آتياً من هوى كيدي أو افترائي أو استفزازي بقدر ما هو آتٍ من وقائع مُحكمة الإسناد وحيثيّات صلبة فولاذية يُعتدّ بها أيّما اعتداد.

غريبة هذه الأيّام، وفيها بعد ذلك عسف في الكلام، لا يبقي مكاناً ومطرحاً لأي غرام. ولا مساحة لأي التئام. ولا فسحة لأي سلام. ولا ركناً للقاء الكرام. ولا خيمة صيفية تطلق قريحة الأحلام: عن لقاء لا انتقام. وعن ودّ لا خصام. وعن ورد لا شوك فيه ولا آلام. وعن رجاء كله حلال وما فيه شيء من الحرام. وعن وطن يخبو فيه منطق الإجرام. ويعلو في مكانه منطق الحق والنظام العام.
زمنٌ غريب. فيه ارتكاب عجيب. أن تقول وطني حق والرجاء قريب!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل