#adsense

“النهار”: العلاقة الصعبة بين ميقاتي وحلفائه

حجم الخط

كتب عبد الكريم أبو النصر في صحيفة "النهار":  "الحكومة الجديدة ستكون، حين تعلن تركيبتها رسمياً، وليدة التعقيدات والخلافات والتجاذبات الجدية العميقة التي رافقت عملية تأليفها، وستتميز خصوصاً بوجود علاقة صعبة بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي وحلفائه الجدد في فريق 8 آذار، مما سينعكس على عمل هذه الحكومة وقراراتها وتوجهاتها. وظهر خلال المشاورات كأن ميقاتي يرفض تأليف الحكومة إذا لم يُلحق "هزيمة سياسية" بحلفائه الجدد من خلال رفضه الموافقة على مطالب أساسية يتمسكون بها، وان فريق 8 آذار لن يقبل تأليف الحكومة وتأمين الدعم النيابي لها إذا لم يلحق "هزيمة سياسية" بالرئيس المكلف من خلال دفعه الى التراجع عن مطالب أساسية يرى انها حيوية وضرورية لتأمين نجاح مهمته".

هكذا لخص مسؤول أوروبي بارز زار بيروت حديثاً جوهر "معركة" تأليف الحكومة. وأوضح ان الخلافات والتباينات بين ميقاتي وحلفائه الجدد أكثر عمقاً وجدية مما هو متداول علناً وتتناول قضايا مهمة عدة أبرزها الآتي:
أولاً – يرى ميقاتي أن العوامل السياسية الداخلية والإقليمية التي أدت الى تكليفه تأليف الحكومة يجب أن تدفعه الى الحذر الشديد، لذلك يتصرف على أساس انه مستقل وليس عضواً في فريق 8 آذار ويريد تأليف "حكومة إنقاذ وطني" ترضي اللبنانيين، كما يريد ترك باب الحوار مفتوحاً مع فريق 14 آذار وحلفائه ويرغب في أن تمهد حكومته لعقد مؤتمر حوار وطني يناقش القضايا الكبرى العالقة وأبرزها ما يتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان وبمصير سلاح المقاومة والسلاح غير الشرعي الموجَّه الى اللبنانيين من أجل إيجاد حلول واقعية ومتوازنة لها ضمن إطار التوافق والتفاهم بين كل الأفرقاء. في المقابل يرفض فريق 8 آذار التعامل مع ميقاتي على أساس انه مستقل ووسطي بل يرى انه صار رئيساً مكلفاً بفضل دعم هذا الفريق، وان عليه تالياً الرضوخ لمطالبه لأنه ليس قادراً على تأليف الحكومة من دونه. وكما قال السيد حسن نصر الله الأمين العام ﻟ "حزب الله" في كلمة له الشهر الماضي: "هل ان الرئيس ميقاتي وصل الى التكليف لأنه وسطي أم لأن الأكثرية الجديدة أوصلته؟". ويرفض فريق 8 آذار مشروع الحكومة التي "يحلم" بها ميقاتي لأنه يريد حكومة مواجهة تركز جهودها على محاربة "الحريرية" وفريق 14 آذار وحلفائه وعلى محاولة تقليص نفوذهم.

ثانياً – يتمسك ميقاتي بصلاحيات رئيس الحكومة كما نص عليها الدستور ويرفض التفريط فيها والتنازل عنها فيصرّ على أن يتولى هو مهمة تأليف الحكومة بالتنسيق والتعاون مع الرئيس ميشال سليمان وبعد أن يأخذ في الاعتبار المطالب "المعقولة والمنطقية" لفريق 8 آذار، ويرفض منح حلفائه الجدد صلاحية تأليف الحكومة وفرضها عليه، كما يرفض منحهم ثلثي الحقائب الوزارية ويريد أن يحتفظ مع رئيس الجمهورية وكتلة النائب وليد جنبلاط بالثلث زائد واحداً في الحكومة كي يتمكن من منع إتخاذ قرارات أساسية كبيرة قد تشكل تهديداً للوضع الداخلي وتعمق الانقسام بين اللبنانيين. فمن يمتلك ثلثي الحقائب الوزارية في الحكومة يتمتع بسلطة كبيرة إذ إن الدستور ينص على أن المواضيع الأساسية الآتية تحتاج الى موافقة ثلثي أعضاء الحكومة: تعديل الدستور، إعلان حال الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها، إعادة النظر في التقسيم الإداري، حل مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية، إقالة الوزراء.

في المقابل، يرى حلفاء دمشق ان ميقاتي يستطيع أن يفعل بالدستور ما يريد لكنهم هم الذين يحددون فعلاً صيغة تركيبة الحكومة وطريقة تأليفها وتوزيع معظم الحقائب فيها لأنها حكومتهم ولذلك فهم يريدون قيادتها وتحديد توجهاتها ومسارها وأهدافها منذ البداية. وعلى هذا الأساس يطالب حلفاء دمشق بالحصول على ثلثي الحقائب الوزارية والإمساك بوزارتي الداخلية والدفاع وبتعيين وزير أو وزيرين من "المعارضة السنية" لسعد الحريري، وهي مطالب يعارضها معاً سليمان وميقاتي.

ميقاتي والمحكمة

ثالثاً – يريد ميقاتي تأليف حكومة تضمن استمرار الدعم العربي والدولي الواسع للبنان في مجالات حيوية عدة، فتواصِل عملية الانفتاح على العالم العربي ككل وليس على سوريا وحدها وتحتفظ بعلاقات جيدة وقوية مع المجتمع الدولي والدول البارزة والمؤثرة فيه وعلى رأسها أميركا وفرنسا والدول الأوروبية الاخرى، وذلك لأسباب سياسية واقتصادية ومالية وتجارية وعسكرية وأمنية. وهذا التوجه يتطلب أن تلتزم الحكومة الجديدة تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وأبرزها القرار1701 والقرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الخاصة بلبنان. وعلى هذا الأساس يرفض ميقاتي أن تتحمل الحكومة التي يرئسها مسؤولية قطع العلاقة مع المحكمة الخاصة ووقف التعاون معها، بل يرغب في أن تتم معالجة هذه القضية المهمة والحساسة ضمن إطار مؤتمر الحوار الوطني للتوصل الى تفاهم عليها يكون مقبولاً لدى كل الأفرقاء ويحظى بغطاء عربي ويمنع حصول مواجهة مع مجلس الأمن والدول البارزة. لكن حلفاء دمشق ليسوا مهتمين بالدعم العربي والدولي الواسع للبنان، بل إنهم يفضلون تقليصه لربط هذا البلد بالمحور السوري – الإيراني ومخططاته. وقد أسقط حلفاء دمشق حكومة سعد الحريري لرفض الأخير وقف التعاون مع المحكمة. وضمن هذا السياق قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع : "ان "حزب الله" وعد ميقاتي "بتفهم" موقفه من المحكمة، لكنه في الواقع سيطلب من وزراء العماد ميشال عون الإصرار على أن يتضمن البيان الوزاري بنداً يدعو الى فك إرتباط لبنان بالمحكمة ووقف التعاون معها أو إعادة النظر في هذا التعاون، فيتضامن وزراء فريق 8 آذار مع هذا الطلب مما يشكل إحراجاً كبيراً لميقاتي في حال تأليف الحكومة طبعاً.

رابعاً – يتصرف حلفاء دمشق مع ميقاتي على أساس انهم يحتاجون اليه لتأليف الحكومة ولتأمين الغطاء لقراراتهم وخططهم لا أكثر، لكنهم في المقابل، ليسوا مهتمين بموقعه وحجم نفوذه في طائفته أو بمصير علاقاته مع الدول العربية والأجنبية البارزة أو بطموحاته وحساباته ومصالحه السياسية والمالية لأنه "ليس حليفاً حقيقياً لهم بل مجرد شريك في عملية تأليف الحكومة يمكن التخلي عنه لاحقاً"، كما قال ديبلوماسي أوروبي مطلع. لكن ميقاتي يرفض أن يكون مجرد غطاء أو واجهة سنية لحكومة يرئسها ويقتصر دوره ودور رئيس الجمهورية فيها على توقيع القرارات التي يتخذها فريق 8 آذار. وذكر الديبلوماسي الأوروبي المطلع "أن حلفاء دمشق يرون انهم استعانوا بميقاتي لأنه ليست لديه كتلة نيابية كبيرة تدعم موقفه داخل الحكومة".

خامساً – القاسم المشترك الأساسي بين ميقاتي وفريق 8 آذار ان الطرفين تربطهما علاقات وثيقة بالرئيس بشار الأسد وبنظامه. غير ان هذا العامل ليس كافياً لتذليل العقبات التي تعرقل تأليف الحكومة، إذ ان الأسد طلب من ميقاتي تأليفها، لكنه في الواقع يدعم المواقف الأساسية لفريق 8 آذار لأنها مطالبه، ويريد حكومة تعيد ربط لبنان تدريجاً بسوريا وتحقق تالياً مصالحه وأهدافه وتعزيز مواقع حلفائه وتنزع الشرعية اللبنانية عن المحكمة الخاصة بلبنان وتؤمن الدعم الرسمي لسلاح "حزب الله" أو تمتنع عن المطالبة بتخليه عن قرار الحرب.

حكومتان في حكومة واحدة

ضمن هذا السياق أفادت معلومات تلقتها دولة أوروبية بارزة من سفارتها في بيروت "ان الانطباعات التي تكونت لدى ميقاتي، بعد مشاوراته المضنية والطويلة مع حلفائه الجدد وإتصالاته المباشرة وغير المباشرة مع نظام الأسد وجهات عربية ودولية معنية بالأمر، مختلفة الى حد كبير عما كان يعتقده ويتصوره ويراهن عليه حين تخلى عن تحالفه مع الحريري وخاض مغامرة تأليف الحكومة". واستناداً الى هذه المعلومات "فإن ميقاتي خائف سياسياً من الفشل في تأليف حكومة إنقاذ وطني أو حكومة مقبولة قادرة على الصمود وتجاوز التحديات الداخلية والخارجية وعلى تحقيق تطلعات اللبنانيين الى حد ما في أقل تقدير. كما ان ميقاتي خائف سياسياً من أن يصير أسير فريق 8 آذار فيقتصر دوره على تنفيذ مطالبه، وخائف سياسياً من الدخول في مواجهة مع حلفائه الجدد ومع النظام السوري، وخائف من أن يبادر الى التراجع والاعتذار عن التأليف مما يشكل نكسة لحلفاء دمشق، وخائف من أن تتهمه الدول العربية والأجنبية البارزة بأنه واجهة ﻟ "حزب الله" ولنشاطاته الداخلية والإقليمية وبأنه يشارك في تنفيذ خطط المحور السوري – الإيراني في الوقت الذي تشهد العلاقات بين الدول الخليجية وإيران تأزماً حاداً وحقيقياً ويواجه نظام الأسد مشاكل داخلية جدية وتدهوراً في العلاقات مع دول عربية وأجنبية بارزة".

وقال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع على الملف اللبناني: "أخطأ ميقاتي لأنه لم يصارح نفسه وحلفاءه منذ البداية. فالواضح ان الأسد وحلفاءه ليسوا راغبين في تأليف حكومة وحدة وطنية أو حكومة إنقاذ وطني لأنهم أسقطوا حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الحريري ومنعوا تحقيق مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لعقد مؤتمر مصالحة وطنية في الرياض من أجل التوصل الى تفاهمات عادلة ومتوازنة على المشاكل العالقة تكون مقبولة لدى كل الأفرقاء اللبنانيين وتؤمن العدالة والاستقرار معاً. لقد تجاهل ميقاتي الحقيقة الأساسية وهي ان المسؤولين السوريين وحلفاءهم يريدون حكومة مواجهة في الداخل والخارج وليس حكومة الإنقاذ الوطني التي يحلم بها ويتمناها من غير أن يمتلك القدرة على التوصل اليها". وأضاف: "كان أمام ميقاتي خياران: أما أن يرفض التكليف منذ البداية ويتمسك بتحالفه مع الحريري والاستقلاليين وبعلاقاته الجيدة مع دول عربية وأجنبية عدة وينتظر فرصة ملائمة أخرى ويدعم تولي الحريري زعيم الكتلة النيابية التي تمثل الغالبية الساحقة من السنة لتأليف حكومة جديدة، وأما أن يقبل التكليف بعد أن يكون اطلع فعلاً على كل الحقائق والمعطيات فيتحمل حينذاك مسؤولياته الكاملة فيعقد جلسات مصارحة مع المسؤولين السوريين ومع قيادة "حزب الله" لمناقشة صيغة الحكومة الجديدة وطريقة معالجة المشاكل العالقة وتسوية العقد الأساسية المحتملة ويتخذ في ضوء هذه المشاورات قراره النهائي الواضح. لكن ميقاتي لم يفعل ذلك بل تصرف على أساس أن صلاحياته الدستورية وعلاقاته الوثيقة بالأسد وحاجة فريق 8 آذار اليه تمنحه القدرة على تأليف الحكومة التي يريد. لكن حسابات ميقاتي هذه لم تكن صحيحة أو وثيقة".

المصدر:
النهار

خبر عاجل