كتب بيتر سمعان في صحيفة "الجمهورية":
تبدو الدول الأوروبية معنية كثيرا بما تروّجه السلطات السورية عن "مؤامرة" تستهدفها، في رَدّ على ما يراه العالم أجمع ثورة شعبية على النظام الحاكم.
هذا الاهتمام لا يعود حصريا الى التغيير الحاصل في الغرب عموما وأوروبا خصوصا تجاه الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط، منذ اندلاع الثورة التونسية فالمصرية، بل يتعدّاه الى اعتبار أن "المتآمرين" يعيشون في دول أوروبية عدة، ومن بينها فرنسا.
ومنذ الأيام الأولى لانطلاق الحراك الشعبي في سوريا، وضعت دول أوروبية عدة مجموعة من الشخصيات التي تعيش فيها أو تتحرك عبرها، تحت النظر، لقياس مدى صدقية عناصر المؤامرة.
وضعت تقارير كثيرة حول هذه المسألة، فلم تأت نتائجها، وفق المسوّق له سوريّا، بحيث ظهر أن الحراك الشعبي السوري، قد لا يكون مفاجئا للنظام، بقدر ما بدا مفاجئا للمعارضين الذين يعيشون في أوروبا.
وتشير التقارير التي جرى التداول بها بين أجهزة حكومية أوروبية وبين مراكز أبحاث فيها، إلى أن غالبية الشخصيات السورية المعارضة في "المنفى"، والمتهمة من النظام السوري بالتآمر، بقيت ملتزمة في الأشهر الأخيرة، ولا سيما في الفترة التي سبقت الانتفاضة السورية وتَلتها، بشروط الإقامة المفروضة عليها، أي عدم القيام بأي نشاط سياسي من أي نوع كان، بما فيه النشاط الإعلامي.
ولفتت التقارير الى أن المعارضين السوريين الآخرين، ممن يتمتعون بحرية الحركة، بفعل حيازتهم للجنسيات الأوروبية، والذين هم على تواصل مع الأجهزة الحكومية الأوروبية، يفتقدون بالحد الأدنى لمقوّمات تحريك الاحتجاجات، وهم في الحد الأقصى على تواصل عمره سنوات مع عدد من المؤسسات السورية، ما مَكّنهم في أوقات عدة، من زيارة بلدهم "مكرّمين ومعززين"، الأمر الذي أنتج "اجتذاب" عدد من هؤلاء الى خدمة النظام السوري، ولو تمسّكوا علنا بصفة المعارضة.
بالتأسيس على هذه المعطيات، لا يبدو أن نظرية المؤامرة احتلّت مكانا مرموقا في الدول الأوروبية التي تخصص يوميا مزيدا من الطاقات لمراقبة ما يحصل في سوريا، حتى لا تفاجئها التطورات دراماتيكيا، كما سبق وحصل في دول أخرى.
وحتى وقت قريب، تمتعت دمشق بغطاء أوروبي "سميك"، حتى تتمكن من احتواء الانتفاضة الشعبية، على اعتبار أن المجتمع الدولي كان لا يزال يعتقد بأن لا محاور له في سورية غير الرئيس بشار الاسد، وهو بضغطه من أجل "أجندة" إصلاحية، إنما كان يساهم في دفع الأسد الى إنقاذ نفسه بتطوير نظامه السياسي.
ووفق مصادر أوروبية، فإن الجميع في مرحلة "تكوّن الانتفاضة"، سَلّم لتركيا بدور ريادي، في التعاطي الهادئ مع المسألة السورية، من أجل إقناع الأسد بتطوير نظامه، من خلال إدخال إصلاحات ديموقراطية عليه، بما في ذلك وجوب اعترافه بالتعددية الحزبية الحقيقية التي من شأنها أن تفسح مجالا للتنظيمات السنية المعتدلة- وفق المعيار التركي- على اعتبار أنّ غير ذلك، إنما يُعزّز الحالات الإسلامية المتطرفة التي لا يرغب بها أحد في العالم.
وكانت الخلفية الأوروبية من وراء توفير هذا "الغطاء السميك"، وفي ظلّ قرار بعدم التدخل عسكريا في سورية على الطريقة الليبية، منع النظام السوري من الارتماء أكثر فأكثر في الحضن الإيراني، إلا أنّ "التطلعات" منيت بنكسة كبيرة، في ظل إظهار سوريا "عدائية" لمقوّمات الدور التركي، واستدعائها للمساعدة الإيرانية ماليا ولوجستيا ومعنويا، إلى مستوى مكّن طهران من التعاطي مع "الانتفاضة" الشعبية في سوريا، كما تعاطت مع الانتفاضة الشعبية التي شهدتها هي، عقب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية الإسلامية.
ووفق مسؤول أوروبي فضّل إبقاء اسمه طي الكتمان، فإن هذه السلوكية الأوروبية حيال سورية، كلفت حتى الآن الأحزاب الحاكمة هجومات داخلية عنيفة وتشكيكا كبيرا بصدقيتها، بحيث وضعها برلمانيون معارضون، في مواجهة سؤال كبير: فسّروا لنا اندفاعكم في ليبيا دفاعا عن الثوار، في مقابل انكفائكم في سوريا تجاه عمليات القمع؟
ويعرب باحثون أوروبيون عن اعتقادهم أن طريقة التعاطي مع النظام السوري، في حال عدم التجاوب الفعلي مع المسعى الإصلاحي المكلفة به تركيا، سوف تشهد تغييرات في المستقبل القريب، خصوصا مع التصَوّر "الحديدي" الذي يسعى كثيرون الى تكوينه في أروقة صناعة القرار في الولايات المتحدة الأميركية، تحت عنوان إيراني!