كتبت هدى شديد في "النهار": عادت عجلة تأليف الحكومة الى المربع الاول… هذه كانت الاشارة الاولى التي صدرت صباح امس من قصر بعبدا. فرئيس الوزراء المكلف تأليف الحكومة نجيب ميقاتي بكّر في زيارته لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، وهو طلب مسبقا ابلاغ الصحافيين بموافاته الى القصر الجمهوري. فمن هذا المنبر، وبعد التشاور مع رئيس الدولة، اراد ان يوجه رسائله الى "من يهمه الامر": اعلانه القرار باعطاء مهل اضافية لكي تكون الحكومة مبنية على قواعد دستورية، ثابتة، وليس على قواعد سياسية متحركة، ولكي تكون حكومة ميثاقية، وعنوانا للاستقرار.
اراد ميقاتي ان يقول: "لن اعتذر. ولن ايأس. ولن اتنازل عن صلاحياتي الدستورية. وليتحمل كل طرف مسؤوليته في التأخير". قال كلمته ومشى الى طرابلس على عادته في نهاية كل اسبوع، غير آبه بالحملات الاعلامية التي يدرك مراميها الحقيقية.
هذه المعطيات الجديدة، بددت الايجابيات التي كانت برزت خلال الاسبوع الاخير، مع توسع حلقة الاتصالات وتكثيفها بين الاطراف الخمسة المكونة للأكثرية الجديدة، بدءا من اللقاء الموسع الذي اشارت اوساط هذه الاكثرية الى انعقاده عند الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، وضم اليه ميقاتي، والمعاونين السياسيين لكل من نصر الله والرئيس نبيه بري حسين خليل والنائب علي حسن خليل، والوزيرين جبران باسيل وغازي العريضي، فضلا عن اللقاءات الثنائية الاخرى التي واكبته واعقبته. وفي موازاة ذلك، ترددت معلومات اخرى في اوساط هذه الاكثرية عن ان اشارة ايجابية اخرى كانت وردت من دمشق، وقد حملها شقيق الرئيس المكلف طه ميقاتي، بتشجيع الرئيس السوري بشار الاسد على تسهيل ولادة الحكومة خلال هذا الاسبوع.
وبالفعل، علمت "النهار" من الأوساط المواكبة في الاكثرية ان اتفاقا جديا كان قد تحقق بين هؤلاء على صيغة 11 وزيرا لكل من رئيس الجمهورية وميقاتي ورئيس "جبهة النضال الوطني"، و19 وزيرا لكل الفريق الآخر من الاكثرية: "تكتل التغيير والاصلاح"، وحركة "امل"، و"حزب الله" وغيرهم. ولكن ما ان بدأ البحث بتوزيع الحقائب، حتى عادت العقد الى البروز بقوة، وعاد العماد ميشال عون يطالب بـ 10 حقائب وليس فقط عشر وزارات، مشترطا الحصول على الحقائب الامنية من ضمن حقائب اخرى، من دون القبول بأي تنازل ولا بأي وزارة دولة من حصته.
وتقول الاوساط المواكبة "ان اربع جلسات عقدت بين المعاونين السياسيين لنصر الله وبري مع عون، من دون ان يتحقق اي تقدم في البحث. بأن قطبة مخفية تكمن وراء هذا الجمود الذي يتحكم في اتصالات التأليف، فاما ان ثمة تباينا بين سوريا و"حزب الله"، واما ان سوريا ليست مستعجلة، والعقدة الثانية هي الارجح في هذا الظرف.
في اي حال، ما زالت الاوساط المواكبة تراهن على لقاء مرتقب بين نصر الله وعون، يكون بمثابة الضوء الاخضر في انطلاق قطار الحكومة، لكن المطلعين في الاكثرية يؤكدون ان مثل هذا اللقاء لن يعقد ما لم يتوافر القرار النهائي باطلاق اسر الحكومة، وما لم تنضج اتصالات التأليف، ولذلك فان لقاءات تمهيدية تعقد بين الضاحية والرابية.
ويقول المطلعون على موقف رئيس الجمهورية انه يعطي الاتصالات مداها، وهو لا يرى امكانا لاعلان حكومة امر واقع، ما دامت اي حكومة يشكلها فريق واحد من دون الفريق الآخر، هي حكومة امر واقع. ومع ذلك، فهو يتمسك بآلية التأليف المنصوص عليها في الدستور.
وبالوصول الى توزيع الحقائب، وتحديداً الداخلية، يستحسن المطلعون إبقاءها حيادية، بمعزل عن شخص الوزير الحالي زياد بارود او غيره. مع العلم، ان بارود اثبت حياده، وعلاقته الجيدة مع كل الأطراف.
وتؤيد أوساط ميقاتي، القول إن تآكلاً بدأ يصيب رصيد الرئيس المكلف، فقط في الشكل. ولكنها في المضمون، ترى كل الفريق الأكثري في موقع الخاسر، لانه يظهر عاجزاً عن التأليف، فيما ميقاتي يثبت لفريقي 14 آذار و8 آذار، كما للخارج انه ليس صحيحاً أن الحكومة ستكون حكومة حزب الله، وانه اختير ليكون "طربوشاً" عليها.
في الخلاصة، يبدو الصراع في ظاهره مسيحياً – مسيحيا بين رئاسة الجمهورية التي تتمترس وراء صلاحيات تعتبر الحفاظ عليها تأسيساً مقدساً للمرحلة المقبلة، وأن أي تراجع عنها قد يكسر الرئاسة، ويهمّشها في أي حكومة مقبلة، وزعامة مسيحية في الأكثرية المكونة للسلطة الجديدة، تعتبر حصولها على حصة موازية لحجم تكتلها، حقاً مكتسباً يجب تكريسه، "فإما يتحقق اليوم واما لن يتحقق أبداً".