الانشغالات اليومية تفرض على المواطن، في الكثير من الاحيان، عدم الاطلاع على تفاصيل الشؤون السياسية والتدقيق في مواقف وشعارات المسؤولين. لذلك، نرى الشباب حين يتناقشون في المواضيع السياسية، غالبا ما يرددون ما قاله هذا الزعيم او ذاك، وفي كثير من الاحيان، من دون الاقتناع برأي زعيمهم، ومن دون ادنى امكان لمناقشة موضوعية للأمور، أو البحث الجدي عن الحقيقة.
هذا الوضع مستغرب جدا في يومنا الحاضر، خصوصا عند الشباب المثقف، نظرا للامكانات الهائلة التي توفرها التكنولوجيا والانترنت، لجهة توافر المعلومات في جميع الميادين، وغالبا من مصادرها الاصلية وبسرعة قياسية.
بالعودة الى يومياتنا السياسية ومواقف المسؤولين وشعارات الزعماء، وهي كلها ضمن حياتنا الاجتماعية التي علينا ان نمّيز من خلالها التعليم الصحيح من التعليم الخطأ، ذلك لتفادي العبودية والسعي وراء الحقيقة للوصول الى الحرية، التي هي غاية الفرد والجماعة.
على سبيل المثال، أطلَ النائب ميشال عون، مكررا باصرار موقفه الداعي الى تمثيل كتلته النيابية في الحكومة الجديدة، وفقا لحجم كتلته النيابية ضمن الاكثرية الجديدة. هذه المرة صرَح الجنرال ان موقفه هذا ليس فقط دستوريا، بل إتخذه دفاعا عن الدستور، قائلا انه لا يزيح قيد أنملة عن مواد الدستور اللبناني! يبدو ان المعادلة الجديدة تتلخص بقتل الدستور والدفاع عن روحه.
الدستور اللبناني بمواده المئة والاثنتين، موجود على الانترنت بكبسة زر واحدة. اليكم هذا التحدي: هل يستطيع احد، ان يرشدنا الى المادة او المواد الدستورية التي قصدها النائب عون، دفاعا عن الدستور في كيفية تشكيل الحكومة؟؟؟ هذا تحدٍ تستغرق مواجهته عشر دقائق بعيدا عن الانشغالات اليومية. هل تقبلون التحدي؟ الاجابة في متناول ايديكم.
اما للراغبين في المزيد من البحث، اليكم بعض العناوين والتساؤلات الجديرة بالمتابعة:
رئيس الجمهورية لم يكن يوما "رئيس حكم" (بفتح الحاء)، بل هو رئيس اجماع وإنقاذ. تمَ انتخابه باجماع مجلس النواب، وليس فقط باكثرية الثلثين. بالتالي تمّ منحه من قبل نواب الامة، وكالة غير قابلة للعزل، مدتها ست سنوات بصلاحيات دستورية كاملة. هل يجوز تجريده من صلاحيته الدستورية في تشكيل الحكومة؟ علما، ان هذه واحدة من الصلاحيات الاساسية القليلة المتبقية لرئيس الجمهورية، بعد تعديل الدستور في اتفاق الطائف.
هل تتم المطالبة بالحصة المسيحية في الحكومة الجديدة، من رئيس الجمهورية المسيحي؟
اتّهم عون وزارة الداخلية بالفشل الذريع، ليس من موقع الدفاع عن وزارة الداخلية، بالتأكيد الوزارة قادرة على سرد انجازاتها، لكن لا بد من التسجيل ان للمرة الاولى منذ العام 1948، تستطيع قوى الامن الداخلي في لبنان، تفكيك هذا العدد من شبكات التجسس الاسرائيلية، وتوقيف المشتبه بهم بالتعامل مع اسرائيل، ومن بينهم عميد متقاعد يوصف باليد اليمنى للجنرال. هذا الانجاز لم يحصل سابقا في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، حتى في الدول التي تصنف نفسها في خانة الممانعة والمواجهة.
هذا يوصلنا الى الحديث عن الوزراء العونيين في الحكومة المستقيلة و"انجازاتهم"!!! في وزارة الطاقة، شبع الشعب اللبناني من الوعود والخطط الخمسية والعشرية، للكهرباء وشبكات المياه والسدود والصرف الصحي. ولكل موضوع، طبعا، عدة مؤتمرات صحافية … والنتيجة ما زال المواطن يدفع فاتورتين للكهرباء وثلاث فواتير للمياه، والخدمتين الى تراجع كبير. اما في وزارة الاتصالات، فربما لم يمّر في تاريخ لبنان، وزير خالف الدستور والقوانين والاصول كوزير الاتصالات الحالي، حتى انه لم يكلف نفسه الرد على اسئلة مقدّمة وفق الاصول لممثلي الامة في مجلس النواب. اما الوعود بتحسين خدمات الاتصالات، فهي تضاهي وعود وزير الطاقة، والنتيجة العودة بقطاع الاتصالات سنوات الى الخلف، إذ احتل لبنان اخيرا المركز رقم 186 بين 192 دولة في نوعية خدمات الانترنت.
يسوع قال: "تعرفون الحق والحق يحرركم" ، الآية 32 من الفصل الثامن من انجيل يوحنا. آية رائعة. ربما تختصر هذه الآية تعاليم يسوع كافة. الكلمات الثلاث التي تتألف منها هي: المعرفة والحق والحرية. الحرية هي الغاية. الوصول الى الحرية يأتي عن طريق معرفة الحق. يسوع اراد ان يحرر داخل الانسان من الخطيئة.
كيف يمكننا إذا الوصول الى الحرية، من دون المعرفة والقدرة على التمييز بين التعليم الصحيح والتعليم الخطأ؟ هذا التعليم في وجهتيه الدينية والاجتماعية. من الناحية الدينية هنالك الانجيل وتعاليم الكنيسة. من الناحية الاجتماعية بمفهومها الواسع، على الانسان ان يسعى دائما لمعرفة الحقيقة، من خلال البحث والتدقيق وطرح الاسئلة في كل شؤون الحياة اليومية.
عكس ذلك: اللامبالاة. ان لا تبالي في الامور التي تواجهها يوميا، هي الطريقة المثلى للوصول الى العبودية. ان لا تبالي في معرفة حقيقة ما يقال لك، وتقوم بترداد هذه المقولات باعتبارها حقيقة منزلة هي الطريقة الاسرع للوصول الى العبودية. عبودية الفكرة. عبودية النظام. عبودية الشخص. اللامبالاة تؤدي الى فناء المجتمع، بينما السعي وراء الحقيقة يؤدي الى الحرية. ابحثوا دائما عن الحقيقة.