كتب محمد شقير في صحيفة "الحياة":
بعد مضي نحو ثلاثة أشهر على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، ما زالت المطابخ السياسية المعنية بتأليفها، أو تلك التي تدعي الإلمام بكل شاردة وواردة في شأن المشاورات الجارية في شأنها بين القيادات الرئيسة في قوى 8 آذار، تعيش في حال من التناقضات جراء إصرار بعضها على التفاؤل بقرب ولادة التركيبة الوزارية وميل بعضها الآخر الى التشاؤم، فيما القليل من هذه القوى ارتأى الوقوف في منتصف الطريق ليتابع التطورات الحكومية يوماً بيوم. يتفاءل حيناً ويتشاءم حيناً آخر.
ولعل رئيس المجلس النيابي نبيه بري هو أفضل من يعبّر عما آلت إليه المفاوضات الجارية في خصوص تأليف الحكومة بقوله أمام زواره: أنا لا أفهم الأسباب التي ما زالت تؤخر ولادتها وأخشى أن لا يقرأنا أحد في الداخل أو الخارج لأننا لم نعد نجد التبريرات التي تستدعي كل هذا التأجيل، لا سيما أننا من فريق واحد نجتمع تحت سقف خيارات واحدة وإن كنا على تباين في إدارة شؤون البلد.
ويتجنب بري، بحسب الزوار، تحديد أي موعد لولادة الحكومة ويؤكد أن لا مصلحة للأكثرية في استمرار الفراغ ولا في الاستنزاف الذي تشكو منه ولم يعد يطاق، خصوصاً أننا لا نجد من مبرّر لتقسيم الوزراء الى مربعات أو توزيعهم على أساس كتل وزارية، ولا أفهم من سيكون ضد من في حكومة نحن أهلها ولهذا دعوت الى تجاوز الفرز السابق والانضواء في جبهة وطنية بعد انتقال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الى الضفة السياسية الأخرى.
كما يدعو بري الى الترفع عن الحسابات الضيقة في تشكيل الحكومة لأنه آن الأوان لنكون فريقاً حكومياً واحداً نثبت من خلاله إننا قادرون على إدارة البلد وعلى تحمل مسؤولياتنا في مواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة العربية باعتبار أنه لا يمكن عزل لبنان عن ارتداداتها التي تفرض علينا تحصين جبهتنا الداخلية.
وهناك في الأكثرية الجديدة من يتبنى بالجملة ما يصدر عن بري مضيفاً أن مواقف الأطراف في قوى 8 آذار من التركيبة الوزارية أصبحت معروفة ولا بد من تضافر الجهود لإقناع رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون بتقديم التسهيلات للرئيس المكلف عبر خفض سقف مطالبه وشروطه والكف عن مخاطبته من فوق لأن لا مصلحة لها في أن تظهر أمام الرأي العام كأنها تريد أن تكسر عليه وتضع العقبات في وجهه.
ويؤكد مصدر قيادي في الأكثرية أن تدوير الزوايا في المفاوضات مع عون ومن قبل حليفه حزب الله لم يعد ينفع ويجب الانتقال من المراعاة الى الضغط من أجل الإسراع في تأليف الحكومة إلا إذا كان لتمديد المشاورات دور في إخفاء الأسباب الخارجية التي تكمن وراء كل هذا التأخير.
ويعتقد المصدر نفسه أن المعارضة الجديدة، وتحديداً تيار المستقبل، سيكون المستفيد الأول من التعاطي مع ميقاتي وكأنه الحلقة الأضعف في تأليف الحكومة أو الاستقواء عليه من قبل عون الذي لم يتوقف عن مطالبته بالاعتذار إفساحاً في المجال أمام غيره ليؤلف الحكومة.
ويؤكد المصدر أن موقف عون من ميقاتي نوقش في الدوائر الضيقة لقيادات 8 آذار وقيل في هذه الاجتماعات كلام كثير أبرزه أن إضعاف ميقاتي والتصويب عليه يعني تقوية خصومه في الشارع السنّي فيما المطلوب أن توفر له كل الدعم وتقويته ليقيم حداً أدنى من التوازن باعتبار أن الغلبة فيه حتى إشعار آخر لمصلحة تيار المستقبل.
كما يسأل المصدر عن الجدوى من تصرف عون وكأنه الآمر الناهي في تأليف الحكومة وأنه وحده قادر على ممارسة حق الفيتو فيعزل هذا وينصّب آخر. إضافة الى أنه يقدم نفسه على الدوام وكأنه في معركة تصفية حساب مع الشارع السنّي بصرف النظر عن الشخص الذي يتربع على سدة الرئاسة الثالثة؟
ويؤكد هذا المصدر أن لانعدام التواصل بين ميقاتي وعون دوراً في تعميق الجرح بينهما، لا سيما أنه ستكون لتداعيات الاختلاف آثار سلبية على تعاونهما في المستقبل لأن الكيمياء السياسية بينها ما زالت مفقودة وهي تنذر بعواقب سلبية ويسأل: إذا كانت العلاقة بينهما على هذا النحو فكيف ستكون بعد ولادة الحكومة ومن سيتولى التدخل لضمان استمرار الهدنة بينهما؟.
ويضيف المصدر: لا نقول هذا الكلام عن عون من زاوية استضعافه أو التقليل من دوره السياسي، لكن في الواقع لم يعد مقبولاً أن يمارس دوره على أساس أنا أو لا أحد، مشيراً الى أن ما يقوله في هذا المجال ما هو إلا تعبير عن رأي غالبية الأطراف في 8 آذار، وإن كانوا لا يملكون الجرأة على مخاطبته بالحقيقة.
ويسأل المصدر عن الأسباب التي تدعو أطرافاً رئيسيين في الأكثرية الى التفاؤل ثم يتراجعون لئلا يقولوا ما يدعو الى عدم الارتياح، خصوصاً في ضوء ما حمله معه شقيق الرئيس المكلف رجل الأعمال طه ميقاتي من دمشق بعد لقائه الرئيس السوري بشار الأسد الاثنين الماضي من أن الحكومة سترى النور قريباً وأن الأيام المقبلة ستشهد على كلامه وهذا ما نقله الى أكثر من مسؤول لبناني بينهم قائد الجيش العماد جان قهوجي.
كما يسأل أيضاً عن ما توصل إليه حزب الله مع عون بعد لقاء أمينه العام السيد حسن نصرالله وزير الطاقة جبران باسيل، وعن مدى صحة ما يشاع عن أن العقد في طريقها الى الحل، وعن أين يصرف التفاؤل بعد تمديد الرئيس المكلف للمفاوضات وقول الجنرال لعدد من زواره أمس أن الحكومة ليست على نار حامية ولا باردة لأنها في الأساس ليست على النار وأنه لا يضع شروطاً على ميقاتي وأن لديه مطالب محقة لن يساوم عليها.
وينقل الزوار عن عون قوله أنه يريد 10 حقائب لوزراء تكتل التغيير والإصلاح وأنه لا يفهم لماذا لا يحق له بحقيبة سيادية مثل الداخلية وكيف تعطى لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان حصة وهو لا يخضع للمساءلة ولا يتزعم كتلة نيابية.
ويشكل إصرار عون على مطالبه رداً قاطعاً على ما تردد من أن الاتصالات التي تولاها حزب الله أدت الى إخراج الداخلية من التجاذب الدائر بين رئيس الجمهورية والجنرال لمصلحة المجيء بوزير وسطي لا يزعج بعبدا ولا يغضب الرابية.
وعليه فإن بعض المطابخ السياسية التي تدعي مواكبتها لمفاوضات التأليف عادت الى إشاعة مسحة من التفاؤل بتظهير التركيبة الوزارية في الأيام الأولى من الأسبوع المقبل عازية السبب الى التقدم الذي حققته الاتصالات الخفية وإلى رغبة دمشق في إنجاز الملف الحكومي بأقصى سرعة، على رغم أن المعطيات الراهنة لا توحي سوى الاتفاق على عدد أعضاء الحكومة وتوزيع الحصص بلا حقائب على الأطراف. إلا إذا جاء الضوء الأخضر من مكان ما كما يقول الرئيس عمر كرامي.