في "جمعة الاصرار" كانت مدن سوريا محافظاتها على موعد مع الحرية والكرامة. هذه حقيقة لا يبدو ان النظام في سوريا يعيها حتى الآن، وجوهر هذه الحقيقة ان ما قبل 15 آذار 2011 شيء وما بعده شيء آخر، وان العودة الى الوراء صارت مستحيلة، أقُتل الناس ام لم يُقتلوا، فالشارع السوري دخل عصر الحريات. والقمع والقتل ما عادا قادرين على وقف التحرك الشعبي الذي يتزايد اسبوعا بعد اسبوع، ويتسع جغرافياً ويتجذر شعبياً. وبالتالي فإن الوقت بدا ينفد بسرعة من امام النظام وبالتحديد من امام الرئيس بشار الاسد الذي لم تغلق النافذة تماما بوجهه، انما المساحة تضيق اكثر فأكثر في كل يوم يتأخر فيه عن ركب الشارع ومطالبه المشروعة في الحرية والكرامة. بل ان التباطؤ في اطلاق برنامج اصلاحي عميق وجذري وفوري بدل ان يعكس "ارتياح النظام " وبعده عن الهلع، صار عاكسا لمناخ من الضياع والغربة عن الواقع.
فسوريا تتغيّر وعلى النظام ان يتغيّر قبل ان يُغيَّر في الشارع!
نقول هذا الكلام في "جمعة الاصرار" آملين ان يتوقف هذا الانزلاق الخطير في الاوضاع في سوريا عبر خطوات جبارة وجريئة يقوم بها الاسد.
فالاجراءات التي قام بها لم تعط مفعولا ايجابيا، بل ان المسار الذي بدأ مع خطابه غير الموفق قبل ثلاثة اسابيع كان انحداريا، فالتهرب من الاستحقاقات الداخلية ب"بروباغاندا" المؤامرات الخارجية المزعومة تارة من اميركا واسرائيل، وطورا من لبنان والاردن، وتوزيع الاتهامات من هنا وهناك، وافتعال اعداء من الخارج يقفون خلف ما يجري في سوريا، كل هذا كان انكارا غبيا للحقائق المُرّة على الارض، ولمشاعر الشعب الفعلية، وقد بلغ السيل الزبى بعد اربعة عقود على حكم الامن والمخابرات وما يرافقه من ظلم وفساد وتخلف.
فما كان يصح في المرحلة التي انتهت في 15 آذار ما عاد يصح اليوم، وصار شرط حماية استقرار سوريا هو الاصلاح العميق والجذري بما يقطع مع الماضي.
وهذه هي مهمة بشار الاسد المحظوظ حتى اليوم بتواطؤ اعلامي وسياسي عربي واجنبي مع نظامه. والمعروف انه لو حظيت احتجاجات سوريا في اسابيعها الاولى بتغطيات اعلامية كتلك التي توافرت لثورات تونس ومصر وليبيا، لكانت الاوضاع غير ما هي الآن. ومع ذلك فإن جرأة احرار سوريا وشجاعتهم وخروجهم بالصدور العارية في مواجهة اعتى آلة امنية في المشرق العربي فرضت نفسها وستفرض نفسها على الإعلام وعلى العالم ايا تكن تحالفات النظام، وايا تكن حماياته المعلنة و"غير المعلنة".
خلاصة القول، لقد استفاق في سوريا مارد اسمه الشعب.