تدور الدنيا دفعة واحدة وليس بالتقسيط. والأمر يحتاج الى توضيح ضروري ومباشر باعتبار ان المصطلح كبير ورنّان ومتشاوف وعامّ وشامل كامل.. ولا يُفهم منه شيء.
وعليه أيها الأفاضل، يُقال إن دنيا العرب دارت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية دورة كاملة باتجاه واحد.. ثم نراها اليوم (من بعيد لو سمحتم) تدور في اتجاه آخر، مختلف، لكنه صوب الشمس والضوء!
.. ومن كان يجرؤ على تصديق أحلامه، أو يتوقع ما يجري اليوم من حراك شعبي عرمرم، طاغ وطوفاني، وبهذه الصورة التلقائية المباشرة البعيدة من القولبة والأدلجة والشعارات الأكبر من البحر؟.. ومن كان يجرؤ على توقع أو قراءة التطورات الحاصلة سلفاً، بحرفية ومهنية، وباعتماد القياسات المنطقية البسيطة، من نوع أن أحوال زمننا تغيّرت عما كانت عليه منذ ثلاثين أو أربعين أو خمسين أو ستين عاماً، ولا يمكن بالتالي أن نبقى "نحن" هنا في المكان الغلط، فيما تلك الدنيا، بكل تفاصيلها وجغرافيتها وخرائطها وأعراقها وشعوبها واقتصادها وعلمها وفنها ومالها وثقافتها في مكانها الصحيح؟!.
كثيرون جداً، من مُعايشي الوضع القائم اليوم والذي كان سابقاً، أي أهل الخضرمة والعمر الموصول والذاكرة الطرية، "يفتخرون" الآن، بأنهم ما كانوا يجرؤون على ارتكاب تلك الأحلام. وما كانوا ليفترضوا شيئاً بسيطاً من الأشياء الكبيرة التي تُسجّل. بل جلّهم ضرب اليأس في أوصالهم وآمالهم الى حد اصابة معصية التفكير الصحّ عندهم بشلل أكيد: خبت الروح فتكاسل العقل. والخيبات الكثيرات والكبيرات والمريرات فعلت فعلها. وما من شك في ذلك، حتى لو تمرّد أفراد لمّاعون وخرجوا على الناس بعكس ذلك. وهؤلاء منهم شعراء حالمون. ومنهم مهمومون بالتفكير وآلياته ونتائجه، لكنهم في الإجمال قلّة ظنّت أو حلمت أو رأت سلفاً ما جاء لاحقاً!
مفاجئة صحوة العرب، بقدر ما هي مرادفة للعصر والزمان الحديث. وأخطأ كثيراً جلادو اللغة وجلاوزة البيان في الذمّ وجلد الذات وفي افتراض وجود "حالة" استثنائية غير قابلة لمواكبة التاريخ ومساره الحتمي!
وتلك "حالة" رُكّبت من عوامل كثيرة. فيها الطبائع والعادات والهمم والمشاعر ومقدار الذكاء (!) وما الى ذلك من مقدمات وبواعث الانتحار. عدا عن الهمّ الخاص بالنزاع المصيري مع الإسرائيليين، ومركزية دور المنطقة وثرواتها في الاقتصاد العالمي والتنمية البشرية وضرورات استقرارها، وطبيعة الدول والكيانات والأنظمة التي قامت غداة مراحل الاستقلال.
افترض هؤلاء الجلاوزة، وفي افتراضهم ما يُعتدُّ به ويؤخذ علمياً ومنطقياً، ان تلك الحالة الآتية من كل التوليفة السابقة صارت أسيرة أبدية لواقعها ووقائعها، وما عادت قادرة على التفلت والانطلاق! لكن الذي حصل ويحصل فاجأ الجميع… بالتأكيد. شكراً!