ما معنى ان توجّه الاتهامات الى حزب لبناني في أحداث هي انعكاس لفعل وردات فعل في سوريا، في حين ان الشعب السوري يتجه يومياً الى تصعيد حركة التظاهر و"التظاهر المضاد"، وفيما يبدو واضحاً لمن يتابع، ان السوري ازداد إيجابية حيال دول وأشخاص في الداخل السوري بغية إنتاج وضع اكثر هدوءاً.
ان الانخراط في العمل السياسي في سوريا والانفتاح وتعزيز الحريات العامة، هي السمة الأساسية، التي تطبع حركة الجماهير، وسمة هذا التحرك الثانية، هو انه ممهور بالطابع "السني" في أكثريته، إذ ليس سراً ملاحظة هذا الاعتبار او التخوف من الجانب المتطرف فيه، اضف الى ذلك تلك النزعة الدؤوبة لدى تكتل المعترضين على أخذ الاعتراض نحو إصلاح على مستوى الوسط وتوجيه آلة الرفض نحو قيادات دون الرئيس الأسد.
غير ان السؤال ألأكثر تردداً هو كيف سيتمكن الأسد من إحداث اختراق حقيقي، وفي زمن قياسي، نسبة الى تراكم حركة الجماهير، وفي المناطق الاكثر ارتباكاً او رفضاً او حتى تمرداً، ويبني على هذه القاعدة مجموعة احتمالات اولها أخذ الرافضين بباقة الإصلاحات المسرعة والموعودة أيضاً، وهذا ما لا يبدو في الأفق المنظور على الاقل، وثانيها أخذ بعض الحكم الى موقع اكثر حساسية عبر رحلة الى الداخل اللبناني عسى ان يكون لهكذا إرباك، وعلى المنعطف الأضعف، بعداً دولياً مساعداً لضوابط الاسد، او شرطاً إقليمياً، وللسعودية تحديداً، عسى أن تعيد النظر في أساليب المعالجة ومدّ العون الحقيقي عربياً وسياسياً الى سوريا، أما ثالثها، فهو بروز مرجعية عربية جامعة تعمل على استيعاب التداعيات المنتظرة من الثورات، وعلى أصعدة متعددة.
أمام هذا وكله، يبقى من المستبعد ألاّ ينعكس الوضع في سوريا على داخل لبنان وتدريجاً، وذلك وفقاً لمنظومة اعتبارات حكمت فيها شخصيات لبنانية ذات تواصل "معنوي" في سوريا، وتحكمت بها تقاليد بائدة لم تعد تجدي نفعاً، لان المزاج السني سيبقى في لبنان على حاله بل سيزداد ارتياباً، والموقف الدولي قد يزداد تصلباً إذا تزامن مع وتيرة مرتفعة للتظاهر؛
يبقى شيء، تجاوب واقعي وحقيقي مع متطلبات مرحلة "الثورة المعدية" والتي تحتاج الى قراءة، بل إعادة قراءة من قبل "الثوار العرب العتاق"، والفاشلين كذلك، ان في الثورات او في ما بعدها، لان وضعاً لبنانياً مأزوماً لن يلقي الضوء على غير موقع الحدث، ولن يلغي الإضاءة على رغبات من اعترف بهم الرئيس الاسد ودعا جيشه الى إبعاد "الأمن السياسي" عنهم كما في بانياس مثلاً.
إن رحلة ترحيل المشاكل، وتحويلها الى قضايا آخرين قد ولى زمانها، وأي استبعاد لواقع الواقع قد يضاعف الميول المتوترة لما يفيد أعداء لبنان كما وأعداء سوريا على السواء.
إن أي رحلة، لترحيل التوتر من سوريا الى لبنان، لن يفيد سوريا، لكنه قد ينهك خاصرتها الطرية… لبنان.