كتب محمد نور الدين في "السفير" من أنقرة: وجه الرئيس التركي عبد الله غول رسائل مهمة وواضحة في أكثر من اتجاه حول التطورات في سوريا وليبيا والمنطقة وحول النموذج التركي.
جاءت مواقف غول أثناء استقباله في مقر القصر الجمهوري في تشانكايا مساء أمس وفدا من بين المشاركين في المؤتمر الرابع لهيئة الإعلام والصحافة التركمانية الذي بدأ اجتماعاته في انقرة امس وكانت «السفير» من بين المشاركين في الحوار مع الرئيس غول.
استهل غول كلامه بالقول إن الجميع شاهد على تغييرات كبيرة في المنطقة يجب ألا تفاجئ أحدا بل إن بعضها تأخر أكثر من اللازم. وقال إنه كان يتمنى لو أن هذه المتغيرات حصلت من دون إراقة دماء أو بالحد الأدنى من المعاناة.
وقال إنه دعا قادة العالم الإسلامي الى إجراء التغيير والإصلاح في أكثر من مناسبة قبل أن تتحرك الشعوب. وقال إنه «يجب تنظيم البيوت من الداخل وهناك روائح تفوح من الداخل. وإذا كانت أنوفنا معتادة على هذه الروائح فإن أنوف غيرنا تشمها». وقال «كنت أتحدث بصراحة عن هذه الأمور عندما كنت أجلس على انفراد مع قادة الدول». وأضاف أنه كان يقول لهم «إنه ليس مهما ماذا يكتب في التقارير السرية بل ماذا يقول الشعب. وإنه يجب ان يمسكوا بزمام المبادرة قبل انفجار الشعب لأنه حينها تتدخل دول ثالثة وتنظم بيتنا الداخلي وفقا لما يريدون».
ورداً على سؤال «السفير» عن الموقف مما يجري في سوريا، قال غول «إنني تحدثت كثيرا مع الرئيس بشار الأسد حتى قبل أحداث تونس وأرسلت له مبعوثا. وقد طلبت منه ألا يتأخر في الإصلاح وأن القيام بالإصلاح لا يعني الخوف من غضب الشارع. بل يجب أن يكون (الأسد) شجاعا ويتحرك في اتجاه الإصلاح».
لكن غول قال ان الاصلاح يجب ان يتجنب إراقة الدماء والعنف والتشرذم والانفصالية وبعض الدول تختزن هذه الإمكانية. وإن الاصلاح يجب ان يتم سلميا ومن دون الإضرار بهذه البلدان. وقال غول إن القيادة السورية رأت أنه لا مناص من الإصلاح. وأضاف «انني أتمنى ان يكون الأسد قد رأى ذلك بشكل واضح. إن تركيا تريد ان ترى النظام الصحيح في سوريا».
وأكد غول انه «عندما صمت الجميع كنا نقول ذلك للأخوة السوريين. واليوم نقول وبكل قوة بوجوب الإصلاح وبعدم استخدام العنف». وتساءل: «هل تريدون التغيير في سوريا كما حصل في ليبيا؟ ألا ترون ما الذي حصل في العراق؟ لماذا لا نتصرف بمنطق وعقل سليم بحيث نفضي الى نتائج بشـكل صحيح؟».
وعن الوضع في ليبيا قال غول: «كنت أتمنى ألا تصل الأمور الى هذه المرحلة. وأن يكون الشعب متحدا ومتماسكا من دون هذه العوائق. وأرى ان أنظمة كهذه لا يمكن ان تستمر ولا مستقبل لها». وقال ان مواقف رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان من ليبيا ليست متناقضة. وهو يرى ان السلطة يجب أن تسلم الى إرادة الشعب. وقال غول «بصراحة إذا كان القذافي يحب شعبه عليه أن يتنحى ويحمي ثروات ليبيا».
وقال إن الكثير ممن نصبوا الخيام للقذافي داخل قصورهم (ساركوزي وبرلوسكوني) يغلبون الآن مصالح بلادهم ويتصرفون تجاه ليبيا بشكل يتناقض مع ما فعلوه. وأضاف «أما تركيا فمواقفها مبنية على المبدئية. ولا يوجد تردد في سياستنا تجاه ليبيا. بل اننا رفضنا استقبال القذافي في المراحل السابقة كثيرا على الأحداث الأخيرة. لأننا لا نتشارك معه القيم نفسها بينما كان يزور فرنسا وإيطاليا».
وكدليل على عدم مبدئية فرنسا وإيطاليا والغرب قال غول إن تركيا هي الوحيدة التي تطبق الحظر على ليبيا ولا سيما في البحر بينما الآخرون لا يفعلون ذلك.
وردا عل سؤال «السفير» عن الحديث عن نموذج تركي للدول العربية يجمع بين الاسلام والديموقراطية ويخضع العسكر لرقابة المدنيين قال الرئيس غول «ان تركيا ليست عندها رغبة ولا تريد أن تقدم نفسها كنموذج ولا أن تلقّن الآخرين دروسا. فالدول كبر عدد سكانها أم صغر، غنية كانت او فقيرة، لها كرامتها وسيادتها وتشعر بهذه الكرامة. نحن لسنا نموذجا بل يمكن ان نكون مصدر إلهام. وهذا ينطبق على تركيا التي تستلهم أي شيء جميل من الآخرين وقد يريد الانسان العربي ان يقتبس ما يراه جميلا من تركيا وهذا أمر طبيعي. يجب ان يكون احترام متبادل بين الدول ومن دونه لا تعاون ولا ثقة بل شكوك وعداء».
وأضاف غول: «بصراحة لا نريد وليس من مسؤولياتنا التدخل في الشأن الداخلي للدول الأخرى. هذا ليس دورنا ولا مطلوباً منا. لكن كمسلم وكإنسان أريد ان أرى هؤلاء الأخوة سعداء وأقوياء ومرفهين. نحن نتشاطر القيم معهم ونستمر على هذا المنوال».
وعن الوضع في العراق قال غول إن المسألة الأكبر في العراق وفي العالم الاسلامي هي الفتنة السنية الشيعية وتساءل: «هل تريدون حصول هذا الأمر؟ ألا تعتقدون ان هناك من يفكر أنه إذا لم يحدث صدام بين إيران وإسرائيل، يريد ان يدفع نحو حصول صدام بين الشيعة والسنة؟ هل تريدون تكرار صورة الصدام بين إيران والعراق حيث قتل الملايين وترملت النساء وتيتم الأطفال؟». وعن كركوك قال انها «عراق مصغر تحتوي كل مكونات العراق والمنطقة وقد تحدثنا عنها حتى داخل حلف شمال الأطلسي. مطلبنا المساواة بين الأطراف الثلاثة (العرب والتركمان والأكراد) وأن يعيشوا بسلام». وقال إنه شخصيا ترأس تسع مرات اجتماعات دول الجوار الجغرافي للعراق ولولا ذلك لكان العراق مقسما الى ثلاث دول.
وأنهى الرئيس غول الحوار بالحديث عن العلاقات العربية التركية فقال انه يولي أهمية كبرى لها وإن الصداقة الحقيقية هي بين الشعوب والأجيال وقال «اننا نتشاطر مع العرب القيم نفسها والتاريخ نفسه رغم حصول بعض الفجوات لكننا الآن نبدأ عصرا جديدا. وتطوير العلاقات مع العرب مسؤولية مشتركة للقادة كما للشعوب ولا سيما وسائل الإعلام». كما ذكّر بأنه أول وزير خارجـية وأول رئيس حكومة وأول رئيس جمهورية تركي يدخل إلى جامعة الدول العربية.
