كتبت صحيفة "الحياة": سعت الأوساط السياسية، سواء في الأكثرية الجديدة أم في "قوى 14 آذار" الى استكشاف الأهداف الحقيقية وراء الانخراط السوري المباشر في الحملة على "تيار المستقبل" في لبنان واتهامه بالتورط بدعم الاحتجاجات الحاصلة في مناطق سورية عدة، وبتهريب سلاح الى سورية، وغيرها من الاتهامات، باعتبار أن معظم هذه الأوساط، من الفريقين، لم يخف تعجبه واستغرابه منها وأن بعض هذه الأوساط تعامل معها على أنها مجرد حملة إعلامية لا أساس لها، وأن الغرض منها هو توجيه رسالة سياسية الى بعض الأطراف.
فهناك من اعتبر أن لا ضرورة الى التوقف عند صحة هذه الاتهامات أو عدم صحتها، ودعا الى القفز فوراً الى تفسيرها السياسي، وهناك من استهزأ بها معتبراً أن إذا كان النائب جمال الجراح قادراً على القيام بما اتهم به والتسبب بما يحصل في سوريا، فإن هذا الأمر "غير مقنع وبعيد كل البعد من المنطق وهو استخفاف بالأحداث في سورية أيضاً، وبخلفياتها".
لكن التفسيرات لصدور هذه الاتهامات التي أخذت منحى جدياً بانضمام السفير السوري في بيروت علي عبدالكريم علي إليها، وببث ما نشر في صحيفة "الأخبار" نقلاً عن "ويكيليكس" لحديث للحريري مع الجانب الأميركي عن دعم عبدالحليم خدام و"الإخوان المسلمين" عام 2007، تعددت، بتنوع الفرقاء الذين تناولوها. فالعودة الى كلام للحريري قبل المصالحة التي جرت بينه وبين الرئيس بشار الأسد بسنوات هو إلغاء للمصالحة، في وقت تجنب الحريري وحلفاؤه خلال الأشهر الماضية تناول سورية، بعد إسقاط حكومته.
ويفسر بعضهم استحضار اسم النائب الجراح في هذه الاتهامات، بأنه "الشخص الأسهل" لربطه بحركة الاحتجاجات، نظراً الى علاقة الصداقة الشخصية القديمة التي تربطه بخدام منذ القدم.
ومن هذه التفسيرات وفق رؤية أصحابها لطريقة التفكير السورية يمكن ذكر الآتي:
1 – خطة الجانب السوري في مواجهة حركة الاحتجاجات التي تشهدها غير منطقة سورية تشمل التركيز على أنها نتيجة مؤامرة خارجية. واتهام "المستقبل"، نتيجة الخصومة السياسية معه، يعطي مادة للإعلام السوري وحلفائه في لبنان للحديث عن التدخل الخارجي في هذه الاحتجاجات، سواء من أجل تبرير القمع عندما يحصل أم في دفع بعض القوى الشعبية الى التردد في دعم الاحتجاجات.
2 – ثمة رسالة تريد دمشق توجيهها الى دول تقف وراء الحريري و"تيار المستقبل" أكثر مما تستهدف الحريري نفسه. وهنا يجد البعض أن القصد هو استدراج السعودية الى أن تتخذ موقفاً علينا يساند نظام الرئيس الأسد في مواجهة المعارضة التي تتحرك في الشارع وأن القيادة السورية لا تكتفي بالاتصال الهاتفي الذي أجراه قبل 3 أسابيع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بالرئيس الأسد والذي نقل عنه الجانب السوري أنه أكد خلاله دعم استقرار سورية… كما أن بعض الذين يردون اتهام سورية "المستقبل" الى ما هو أبعد من الساحة اللبنانية، يلفتون الى أن الحملة الإعلامية في وسائل غير رسمية لكنها معبرة، تتناول بعض المسؤولين السعوديين الذين تتهمهم هذه الوسائل بالتحريض ضد الحكم السوري.
3 – ثمة وجهة نظر تقول بعدم الذهاب بعيداً في تفسير الاتهام، ووجوب حصره بما يجرى في سورية، إذ إن نظرة دمشق الى الوضع اللبناني كانت على الدوام أن لبنان وسورية ساحة واحدة وأن نفوذ القيادة في البلدين مترابط وواحد وبالتالي إذا قررت التشدد في الداخل السوري ضد الاحتجاجات، فإنها تعتقد بوجوب التشدد في لبنان، في مواجهة من يقاوم نفوذها، وفي طليعة هؤلاء الحريري بعد إسقاط حكومته. ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن نجاح الحريري في إعادة استقطاب جمهور قوى 14 آذار، والجمهور السنّي إثر خروجه من الحكم، وتصعيده حملته على سلاح "حزب الله" تحت شعار رفض وصاية السلاح على السياسة الداخلية، قد جعل حلفاء دمشق في لبنان في موقع دفاعي، وساهم بموازاة خلافات هؤلاء الحلفاء حول طريقة تشكيل الحكومة، بتأخير قيام السلطة التنفيذية البديلة وأظهر الأكثرية الجديدة بأنها عاجزة عن صوغ معادلة جديدة للحكم.
ويضيف هؤلاء أن اتهام "تيار المستقبل" بالتورط في أحداث سورية "يجعله في موقع الدفاع عن النفس بدل الهجوم الذي شنه منذ زهاء شهرين، ما يعني إشغاله عن هذا الهجوم بقضية أخرى".
4 – "حزب الله" ومعه إيران، واللذان انزعجا بشدة من حملة الحريري وتياره على السلاح وعلى ما سماه التدخل الإيراني في الدول العربية وفي لبنان، شجعا على الأرجح على الحملة ضد "المستقبل" في ما يخص الأحداث في سورية. فعلى رغم أن الحزب تجاهل كلام الحريري و14 آذار عن السلاح وتجنب التعليق عليه لعدم إكسابه رواجاً إعلامياً، فإن تصعيد الحريري الموقف ضد إيران، بعد حديث الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله عن التدخل الخليجي في البحرين، قد أثار الجانبين، ما استوجب رداً غير مسبوق من الخارجية الإيرانية على رئيس حكومة تصريف الأعمال. لكن الحزب يعتبر كما تعتبر دمشق أن الساحتين السورية واللبنانية ساحة واحدة وهو أبدى قلقاً مما يجري في سورية وتأثيره السلبي الممكن في لبنان.
فطهران والحزب يهتمان بالمتابعة الدقيقة واليومية لما يجري في سورية بدليل الاتهام الإيراني أميركا والصهيونية بالمؤامرة فيها. وهذا ما يفسر دعم الحزب المباشر والسريع للاتهامات السورية ضد "المستقبل"، والتي كان استبقها باتهامات لجماعة الحريري عبر وسائل إعلامية تابعة له. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن الهدف هنا هو وقف اندفاعة المعارضة التي يقودها الحريري ضد التركيبة السياسية الجديدة، لأنها معارضة تزيد من نقاط ضعف الأكثرية الجديدة لوضع الحريري في حال دفاع عن النفس بدل الهجوم، وللرد في بيروت على ما جرى في البحرين.
5 – الجانب السوري يعتمد في هجومه، وفق أصحاب وجهة النظر هذه على حلفائه في لبنان من أجل توجيه رسالة الى الحريري بأنه لم يلتقط قدرة دمشق على تحديد الأحجام في لبنان وأن حركة "المستقبل" لن تستطيع إفشاله في تشكيل الحكومة بحيث واكب اتهام "المستقبل" توافق بين السيد نصرالله والقيادة السورية على أن يتولى الأول العمل بعيداً من الأضواء من أجل تذليل العقبات من أمام تشكيل الحكومة نظراً الى انشغال دمشق بأوضاعها الداخلية.
وعقد الأمين العام للحزب اجتماعات عدة في هذا السياق تحت عنوان تدوير الزوايا بين الحلفاء في الأكثرية الجديدة، لقيام حكومة تكون انعكاساً للهجوم الذي حملته الاتهامات ضد "المستقبل". والرسالة بهذا المعنى ليست للحريري وحده، بل للرئيس ميشال سليمان والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي ولزعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون ولغيرهم من الأطراف بوجوب أخذ ما يجري في سورية في الاعتبار وعدم إضاعة الوقت بعد الآن.