كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار": تشخص الأنظار اليوم إلى الصّرح البطريركيّ في بكركي حيث تجتمع اربع قيادات مسيحيّة بدعوةٍ من البطريرك مار بشارة بطرس الرّاعي، على امل "غسل القلوب" بينها وتكريس الإختلاف الديموقراطي بينها بديلاً من التّصادم. والى ملفات بيع الاراضي ودور المسيحيين في تشكيل الحكومة المقبلة والموقف من سلاح "حزب الله" والعلاقة مع محيط لبنان العربي، ثمة سؤال كبير عن الموقف من قضيتي التجنيس واللاجئين الفلسطينيين في لبنان والتي اصطلح على تسميتها "مواجهة التوطين والتصدي له"، نظراً الى انعكاسات هذا الامر على الصيغة اللبنانية والتوازن الديموغرافي الذي اختل بقوة بفعل تجنيس 10 في المئة من مجموع الشعب اللبناني دفعة واحدة خلال عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، من غير ان يدرك القائمون على النظام اللبناني آنذاك حجم الخلل الخطير الذي تسببوا به للصيغة اللبنانية.
يتفق الزعماء الموارنة الاربعة على رفض كل اشكال التوطين، وجميعهم من اصحاب الباع الطويل في التصدي للتنظيمات الفلسطينية المسلحة وقتالها، سواء في تل الزعتر ام في زغرتا وشكا وغيرها من المواقع. وتضاف الى مواقف هؤلاء مواقف غالبية القيادات اللبنانية في تأكيد رفض التوطين ومواجهته، بعدما حسم الامر ميثاقيّاً في مُقدّمة الدّستور، ويبقى على الزعماء الاربعة في حال قرروا نبذ خلافاتهم "العمل والاتكال على الله" لبلورة سياسةٍ متماسكة لتدعيم الموقف من رفض التوطين، علماً ان البطريركية المارونية تملك طرحاً كاملاً حول ملف التوطين يتجلى بما اصطلح على تسميته "الوثيقة الوطنيّة الجامعة عن التوطين"، والتي كلّف إعدادها الخبيران زياد الصّائغ وغابي بجاني من المركز المارونيّ للتوثيق والأبحاث والرّابطة المارونيّة. وهي مجمّدة حتّى الآن، رغم الانتهاء منها منذ أكثر من ثلاثة أشهر، ويمكن الزعماء العودة اليها.
ورغم الاجماع شبه العارم على التعامل مع ملفّ اللاجئين الفلسطينيّين لبنانياً ومسيحياً لجهة رفض التوطين، الا ان ثمة عقبة تتمثل في تبني "التيار الوطني الحر" نظرية "حزب الله" لجهة الربط بين الاحتفاظ بالسلاح لمواجهة التوطين، على ما صرح ناشطو التيار ونوابه مرات عدة، ما يعني ربطاً تلقائيّاً لهذه القضيّة بأيّ استراتيجيّة دفاعيّة مقبلة. فيما المطلوب رؤية ديبلوماسيّة لبنانيّة متكاملة تُخرج هذا الملفّ من حيّز الورقة المصادرة والمرهونة إلى سياق رسالة المسيحيّين خصوصاً، واللّبنانيّين عموماً في الدّفاع عن قضيّة عادلة إسمها حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين، وقيام دولة فلسطين ولو بعد حين. والمسألة كما تطرحها الوثيقة (التي نشرت "النهار" عناوينها قبل مدة) تمثل بحسب واضعيها شهادة مسيحيّة لبنانيّة متقدّمة وردت في وثائق الإرشاد الرسوليّ، والمجمع البطريركيّ المارونيّ، ووثائق مجلس بطاركة وأساقفة الشرق الكاثوليك، وشرعة العمل السّياسيّ حول كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية شعب وحق بديلاً من الاستثمار السياسي لملف التوطين.
والسؤال مرة جديدة: هل سيبحث زعماء الموارنة والمسيحيين القضايا التي تعني مصيرهم الكيانيّ، ويقودهم البطريرك الرّاعي نحوها بحزمٍ وتؤدّة إنّما دون تباطؤ نحو انجاز اهدافهم، ام انهم سيغرقون في مناكفاتهم وحروبهم الصغيرة على السيطرة بمنطق "مارونستان" لا بمنطق الدولة؟