شبّه بعض المراقبين الخطاب "التوجيهي" للحكومة الجديدة الذي ألقاه الرئيس السوري بشار الاسد بمحاضرة في القانون الاداري يصلح ان يلقي معظمها خبير في مجلس الخدمة المدنية"، فالمضمون الاداري الذي أراد الأسد الابن ان يضخمه على حساب المضمون السياسي لم يحجب المطالب الحقيقية للمواطنين السوريين ولا سيما المطالب السياسية. الازمة في سوريا سياسية بامتياز، وكل الازمات ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي والاداري هي الفرع لا الاصل. الاصل هو كيفية الانتقال بسوريا من حقبة الستالينية الى حقبة الديموقراطية. والاهم هو تحقيق الانتقال بسلاسة وضمن شروط الاستقرار القصوى، على ان يكون الانتقال بالافعال لا بالاقوال. فالمنافذ بدأت تسدّ في وجه النظام وأهله وعلى رأسهم الرئيس بشار الأسد الابن الذي يخسر يوماً بعد يوم من رصيده. المطلوب ليس محاضرات في الادارة العامة، بل المطلوب أولاً وقبل أي شيء آخر وقف قتل الناس العزل في الشوارع والساحات، والاسراع في طرح طبيعة النظام الديكتاتورية على بساط البحث في سياق خطة للانتقال الجدي الى نظام ديموقراطي حر وتعدّدي يحفظ سوريا من شرور المواجهة التي يتمناها البعض داخل النظام، والبعض من خارجه. والعقل يملي على الأسد الابن إدراك حقيقة لا يسعه التهرب منها، هي أن العودة بسوريا الى ما قبل 15 آذار 2011 صارت مستحيلة، وأن النفخ في "بروباغاندا" المؤامرة الخارجية، وتلفيق الاحداث المركبة، والتلويح، على ما قال وزير الخارجية وليد المعلم، بأن الامور لا يمكن ان تستمر على ما هي، كلها طرق لا تودي إلا الى نهاية سيئة للنظام، وبالتأكيد أنها درب شائك سيقضي على الاستقرار، لكون الحل الأمني الذي يتم الايحاء أنه صار على الطاولة سيلهب البلاد، ولن يقضي على مطالب الشعب، ولن يحقق استقراراً لحالة ستالينية عربية صارت خارج هذا الزمن منذ أمد بعيد.
لا يسع الاسد الابن باعتباره رئيساً مسؤولاً عن البلاد وهي في حالة من الهيجان السياسي أن يفكر بمنطق الجماعة، أو العصبة، أو حتى الطائفة، فالتحدي يشمل سوريا بأسرها، وصدقيته (المتضررة) هي الورقة الأهم التي اذا ما بدّدها نهائياً ستجعل من التغيير في الشارع مسألة وقت. ومن هنا أملنا أن يتنبه الرئيس بشار الاسد الى أن ما يبدّده من رصيد سياسي ومعنوي يستحيل، وقد انقلبت "الموجة"، أن يعيد تحصيله. وأن كل خسارة مهما بدت محدودة أول الأمر ستكون فادحة في مرحلة يهرق فيها الدم السوري.
أياً تكن المخاوف السياسية، يجب أن يتوقف إطلاق النار على المدنيين العزل. والنصائح التي تدفع في اتجاه الحل الامني هي نصائح خرقاء وكارثية. وأول من سيدرك ذلك هو بشار الأسد نفسه إذا ما استسلم لها.