مفارقة مقلقة يعيشها بعض الشعوب العربية: يصر الحاكم على البقاء في سدة الحكم رافضا كل تغيير أو إصلاح، وهو ما يضع الشعب أمام خيارين، إما الرضوخ له وتمديد زمنه، وإما الدخول في مواجهة مسلحة معه تستدعي تدخل "تحالف دولي" لإنهاء تسلطه.
عملياً، يضع محتكر السلطة الشعب في مفاضلة بين حكم بالإعدام وحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة. فالقوى الدولية ليست تحالفاً لجمعيات خيرية، وما تقوم به اليوم في ليبيا، وغداً في غيرها، لن يكون بلا مردود عليها، ليس في السياسة فحسب، بل وتحديداً في الإقتصاد وعملية إعادة بناء الدولة والبلاد، مما يتيح وصاية مقنعة، على نسق ما يشهده العراق.
في المقابل، يضع "ربيع العرب" الحكام أمام خيار من اثنين: مواجهة المطالب بالسعي إلى تمييعها بما يؤدي إلى حتمية سقوطهم، أو تلبيتها بما يؤدي أيضاً إلى سقوطهم. فالمشكلة الحقيقية عند هؤلاء هي أن الوقت داهمهم، وحين كانت أي إصلاحات يقدمون عليها قد تحسب منّة لهم على شعوبهم، لم يقدموا لأنهم لم يتنبّهوا لوعي الشعوب المتنامي، وأن زمن أنور خوجا انتهى إلى غير رجعة، وما عاشته ألبانيا من عزلة ذاتية زمن الحرب الباردة لا يمكن تكراره في زمن العولمة.
عمق المشكلة أن هذه الشعوب لم تتعرف يوماً الى صناديق الاقتراع لتمارس حقها في الاختيار، وهي حين نزلت إلى الشارع استنتجت أن ضجيج أقدامها وصل إلى من صمّ آذانه عن أصواتهــــــا طويلا، ووجـــــــدت نفسهـــــا أيضـــاً أمام خيار لا مفر منه: الانكفــــــاء عن إكمــــــال المسيرة سينهي وجودهــــــــا السياســـي والجســـــــدي، أو الاستمــــــرار حتـــى الحسم.
ما يوحد الشعوب العربية، في الملكيات والجمهوريات معا، هو وحدة مطالبها، فكلها يقع تحت مظلة الحقوق الديموقراطية. أما ما يوحد الحكام فهو أنهم جميعاً يتهمون "المؤامرة" بإيصالهم إلى ما يواجهون، من دون تسمية من دبّرها. ان المؤاتي لهم أن يبحثوا عن عدو خارجي يستطيعون ادعاء ضــــرورة اصطفــــــاف الشعب معهـــــم لمواجهته، وفي ذلك استعــــــــادة لصيغ بآليــــــــة فقدت صلاحيتها… وجمهورها.
كان للقذافي قصب السبق في السعي الى تمييع المواجهة مع شعبه بزعم وجود دور لـ"القاعدة"، ولم يلبث آخرون أن حاولوا اتباعه. ربما يجب أن يسجل التاريخ للرئيسين السابقين المصري حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي أنهما فهما رسالتي شعبيهما ولبّياها ولو متأخرين، فخير أن تلبي متأخراً من ألا تلبي، فتكون السقطة أقوى دوياً.