#adsense

فتنة واحتقان؟

حجم الخط

سنصدّق تبعاً لنيّات حسنات وآمال بريئات وقراءات متفائلات، وأحكام صافيات، أنّ أحد أبرز دوافع مَن انقلب على ما انقلب عليه، كانت (ولا تزال) منع الفتنة (؟) والتخفيف من الاحتقان الذي ضرب في الجسم اللبناني وأصابه بعلل خطيرة وكبيرة.

وسنصدّق تبعاً للتعليلات الواردة آنفاً، أنّ الهمّ الوطني الجامع المانع والحفاظ على السلم الأهلي كانا (ولا يزالان) وراء الدفع باتجاه الاصطفاف إلى جانب انقلاب شبه عسكري، أُريدَ له أن يتغطّى برداء دستوري علّه يتقي رياح القراءات الاقليمية والدولية الدقيقة والقريبة من المخّ.

وسنصدّق بعد ذلك، ببراءة الأطفال وعباطة الغشمان، أن نوازع النفس الأمّارة بالهوى السلطوي والطموحات الانتهازيات، ما كانت هي المحرّك الأساسي الدافع إلى ارتكاب معصية تغطية ما ارتكب من جريمة في حقّ اللبنانيين في الإجمال، في حاضرهم ومستقبلهم، وفي حقّ النظام وروحه البنّاءة.. سنصدّق كل ذلك، ثم بعده بقليل، سنحاجج بمنطق بسيط، سريع الذوبان، هيّن المضغ وسهل البلع والهضم..
وعليه يُقال، إنّه يمكن الركون إلى ظواهر الأمور ونسيان المخبّأ في الصدور، للافتراض أنّ اللبنانيين ما وصلوا في تاريخ أزماتهم المفتوحة مثل سهول الصقيع السيبيري، إلى حالة خلافية أمرّ واصعب مما وصلوا إليه اليوم.

حتى في مرحلة الحرب الأهلية الأولى والأصعب، خلال الفترة الممتدة من العام 1975 حتى العام 1982، بقيت عالقة في أحلام الكثيرين، فكرة أنّ السلطة الجامعة، الدولة ومشروعها وبنيانها وقوانينها وجيشها وقوى أمنها وسلطانها وسلطاتها، ستكون في خاتمة الأحزان أم الأفراح وموئل المضطهدين من لغة الحرب والتفتيت والتخريب. وأنّ الاجتماع اللبناني سيبقى أقوى وأعزّ من أن تصيبه البلايا.. كان هناك "أغراب" عن الهوية الوطنية، من كل حدب وصوب وجانب، وأمكن على مشذب هؤلاء تعليق الكثير الكثير من الخطايا المحلية الصنع، والممهورة بختم طائفي أو سياسي أهلي لا يمكن تزويره..

وحتى في المراحل التالية لتلك، حيث بدت قوالب التجزئة والتقسيم جاهزة للاعتماد، إلى أن تبيّن مدى تهافتها ورمليتها عندما بدأ كل "كيان" خاص، جولة عنف داخلية، أصعب وأخطر من تلك المعتادة مع "الخارج".. حتى في تلك الأيام، بقي النظام اللبناني موئل الرجاء الصالح وخيمة الهاربين من لظى المشاريع الحزبية والفئوية، وبقيت الدولة في العموم معقد الآمال وجلّ الأحلام!

أين نحن اليوم؟ ومَن يقرأ ويسمع ويرى خطاب الممانعين الانقلابيين؟ وأين صار ذلك العقد الوطني والميثاقي أمام لغة السلاح والسلبطة بناره؟ وأين صارت مقومات الدستور المتوّج بقصة العيش المشترك وعدم جواز أو شرعية كل ما يناقضها.. أين هذه في مجملها من حروب الإلغاء السياسية (والمذهبية!) الطاحنة الدائرة رحاها هذه الأيام بغرور وصلف وقصر نظر ممانع يفتخر به أصحابه، بعد أن دعسوا قبل الانقلاب بقليل، مشروع تسوية تاريخية كان يُفترض أن تتوّج بلقاء مسامحة ومصارحة ومصالحة في الرياض؟ أين أصبحنا اليوم من قصة منع الفتنة وتنفيس الاحتقان؟!
غريب يا عجيب.. منع فتنة؟! "فتنة بالحيط". شكراً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل