#adsense

دمشق تحت الضغط لتغيير خيارات وليس لإسقاط نظام…”الجمهورية”: الحكومة عقدتها “داخلية” وتحلّ في أي وقت

حجم الخط

كتب طارق ترشيشي في صحيفة "الجمهورية": إذا كان المعنيون بتأليف الحكومة وغيرهم ينتظرون ما سيرسو عليه الوضع السوري المستجد حتى يؤلفوها فتلك مصيبة، واذا كانوا لا يراهنون عليه ويؤخرون هذا التأليف فإن المصيبة اعظم.

فلبنان في الوضع الطبيعي ينبغي ان تكون له حكومة تحكمه، فكيف اذا كان هذا الوضع الذي يعيشه غير طبيعي وقد "زاد طينه بِلّة" الاضطراب الداخلي في سوريا البلد اللصيق به تاريخيا وجغرافيا وسياسيا، والذي تجرّع معه الحلاوات والمرارات في المحطات والعهود كافة.

فعلى مر التاريخ لم يحصل أي حدث في لبنان او في سوريا إلاّ وتأثرا به سلبا او ايجابا، وأقرب المحطات الى الواقع الحالي هي تحرر البلدين معا من الانتداب الفرنسي العام 1943، وايام الوحدة السورية – المصرية في اواخر الخمسينيات، وما سمي "محادثات الخيمة" على الحدود بين الرئيسين الراحلين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر، مرورا بالحرب اللبنانية التي تفجرت في 13 نيسان 1975 ودخول الجيش السوري لبنان العام 1976 وخروجه منه في اواخر نيسان 2005، وبين هذين التاريخين اجتياحان اسرائيليان للبنان، الاول العام 1978 الذي اقتصر على المنطقة الحدودية، والثاني العام 1982 الذي بلغ بيروت ومعظم جبل لبنان والبقاع الغربي، وهذه المحطات – الاحداث كلها التي تفاعل البلدان بها ومعها، لم تكن تعوق تأليف اي حكومة لبنانية، بل كانت الدافع إلى عدم التأخر في التأليف. وغالبا ما كانت دمشق تؤدي دور الوسيط حينا، و"المؤلف الرئيسي" للحكومات حينا آخر، وفق نظرتها الى المصالح اللبنانية والسورية، وإن كان بعضهم اتهمها يومها بـ"فرض" حكومات لبنانية "على قياس مصالحها"، وقد طوّروا خطابهم السياسي بعد انسحاب القوات السورية من لبنان الى الحديث عما سموه "الحقبة السورية" و"عهد الوصاية السورية".

قبل أيام تشكلت في سوريا حكومة جديدة على وقع وضع داخلي مضطرب، ولم تتأخر ولادتها اكثر من اسبوعين بعد استقالة الحكومة السابقة، بينما مضى على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة اكثر من ثلاثة اشهر، وما يزال حبل التأخير على غاربه… الحكومة السورية تشكلت للتصدي لملفات اصلاحية كبرى الى جانب ملف ضبط الامن في البلاد المهددة بأخطار كثيرة داخلية وخارجية. اما الحكومة اللبنانية فلم تولد بعد، فيما لبنان يعيش ازمة قد تكون اخطر من الوضع السوري، نتيجة ما يتهدده من انعكاسات منتظرة للوضع الاقليمي، والتي قد تصيب الفسيفساء اللبنانية الطائفية والمذهبية شديدة الحساسية، وهي أزمة لا يمكن اختصارها بخلاف على الشخصية التي ستتولى وزارة الداخلية، اتكون من تكتل التغيير والإصلاح ام يسميها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلف او غيرهما…

… ويقول المعنيون ان الحكومة اوشكت الولادة ولم يبقَ ما يعوقها الا عقدة "الداخلية". ويكبرون هذه العقدة بأكبر من حجمها، يربطونها بالانتخابات النيابية المقررة العام 2013، فكأن الوزير الذي سيقودها هو مَن سيضع القانون الانتخابي الجديد، وهو مَن يملك القدرة على ترجيح كفة هذه اللائحة الانتخابية او تلك، وينسون ان من يصنع كل ذلك هو مراكز القوى والقرار داخل مجلس الوزراء وخارجه، وكذلك داخل لبنان وخارجه، والدورات الانتخابية السابقة التي جرت منذ التوصل الى اتفاق الطائف وحتى الآن خير دليل، على كيفية تصنيع القوانين الانتخابية ولوائح الترشيح التي غالبا ما يتم تفصيلها "بالتفاهم والتراضي" على قياس مصالح مختلف القوى السياسية.

ويجري البحث الآن عن "شخصية توافقية" لإسناد وزارة الداخلية اليها، في ظل اصرار تكتل التغيير والاصلاح بزعامة النائب العماد ميشال عون على اسنادها الى هذا التكتل، في مقابل رغبة سليمان وميقاتي باسنادها الى شخصية حيادية.

هل دمشق في ظل ما تواجهه في وارد التدخل لتمكين المعنيين من الاتفاق على التشكيلة الوزارية من "داخلية" وتوابعها؟

يجيب قريبون من دمشق بالقول ان جميع المعنيين بتأليف الحكومة اصيبوا بنكسة معنوية وسياسية كبيرة نتيجة تأخرهم في انجاز هذا الاستحقاق الدستوري، ومع ذلك فإنهم يطلبون المساعدة السورية في الزمن الخاطئ، حيث ان دمشق لا تستطيع ان تمارس "رغباتها اللبنانية" في هذه المرحلة، في الوقت الذي بدأت تتلمس امارات الرهانات التي بدأ بعيشها بعض القوى السياسية اللبنانية على ما يمكن ان يؤول اليه الوضع السوري المضطرب. علما أنها ابلغت الى بعض الجهات التي راجعتها بأمر المساعدة على توليد الحكومة، أن عليها ان تبحث في الامر مع حزب الله.

فدمشق، في رأي القريبين منها، تحاذر التدخل في الشأن الحكومي اللبناني، لأنها لا تريد، تحديدا في هذه المرحلة، ان تُزعّل اي فريق لبناني منها، وهي لو كانت على قيد القدرة الآن على التأثير في الشأن اللبناني لكانت فرضت على حزب الله وعون خيارا معيّنا، ولكنها لا تريد ذلك، إذ تعتبر ان ما تتعرض له هو مؤامرة تستهدف نظامها وتشارك فيها قوى اقليمية ودولية، ولا تريد ان يتخذ أي طرف خارجي أي تدخل لها في الشأن الداخلي اللبناني ذريعة لتصعيد هذه المؤامرة ضدها.

ويرى هؤلاء ان دمشق ستخرج مما تواجهه في وقت ليس ببعيد، اذ ليس هناك قرار دولي او عربي بإيجاد تغيير كبير في سوريا، وأن ما تتعرض له هو بمثابة ضغوط عليها لتعديل خياراتها في شأن علاقتها بإيران من جهة، وفي شأن موضوع السلام مع اسرائيل وما يستتبعه من ضغط عليها لوقف الدعم لحزب الله والمقاومة في لبنان ولحركتي "حماس" و"الجهاد" الفلسطينيتين.

في ظل هذا الواقع، فإن دمشق لن تتدخل في الشأن الحكومي اللبناني، والقريبون منها يؤكدون انها تستغرب التأخر الحاصل في تأليف الحكومة، ما يعني انها مهتمة بشؤونها اكثر من لبنان.

ويرى معنيون بتأليف الحكومة، ان ميقاتي يريد حكومة سياسية مطعمة بأكبر عدد ممكن من التكنوقراط يكون له فيها الثلث المعطل وان تكون وزارة الداخلية في عهدة شخصية يسميها رئيس الجمهورية. لكنّ الاكثرية الجديدة لا تقبل بذلك، وتتمسك بأن تكون حصتها في الحكومة 20 وزيرا، في مقابل عشرة وزراء لسليمان وميقاتي ورئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط، على ان تكون حصتها، اي العشرين وزيرا، موزعة مناصفة كالآتي: عشرة وزراء لحركة "أمل"، وحزب الله والأحزاب والمعارضة السنية السابقة والنائبين طلال ارسلان ونقولا فتوش، وعشرة وزراء لتكتل التغيير والإصلاح.

غالب الظن، ان الحكومة قد لا تولد قبل عيد الفصح، فالرئيس المكلف مغادر ليومين هذا الاسبوع الى لندن في زيارة عائلية، لكن الولادة الحكومية تبقى مرجّحة في اي وقت وخصوصا بعدما بدأ يشاع ان المفاوضات التي يجريها حزب الله مع عون بدأت تتقدم، وأن عقدة الداخلية قد تحل بتسوية بين سليمان وعون تأتي بشخصية يقبلان بها  لوزارة الامن اللبناني.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل