يومان وتدخل البلاد في عطلة اعياد الفصح المجيد التي تمتد الى الثلاثاء المقبل، في ظل سلسلة من التطورات اللبنانية والعربية، ابرزها محلياً الاجتماع الذي رعته بكركي للقادة الموارنة الاربعة الرئيس امين الجميل والعماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية والدكتور سمير جعجع، والذي شكل حدثاً نادراً، لا تخفى تأثيراته على مجمل المشهد السياسي اللبناني، المتفاعل في تطوره سلباً وايجاباً مع المخاض المعقد للتغيرات الحاصلة في المنطقة العربية، بدءاً من سوريا وصولاً الى شمال افريقيا بعد مصر وتونس وليبيا.
وكانت الصورة الجامعة للزعماء الموارنة الأربعة، على الطاولة المستطيلة التي تصدرها البطريرك الراعي، وحدها كافية للتعبير عن الحدث، في مشهد كان مدروساً بعناية، فالاطار كان بكركي التي حافظت على دورها كمرجعية روحية، فيما حفظ البطريرك الراعي دور البطريرك السابق نصر الله صفير، سواء في زيارة الاقطاب الأربعة له في جناحه في بكركي، أو في مشاركته الغداء معهم، وإن كان لم يتمكن من جمعهم طيلة فترة ولايته، فنجح خلفه في إعادة وصل ما انقطع سياسياً بين اخصام الأمس بنسيج روحي حاكه حبيس دير طاميش الأب يوحنا خوند، حيث اجتمع الأربعة حول صليب الخلاص، وإلى جوارهم أربعة مطارنة كل واحد معروف بعلاقته المميزة مع احد الأقطاب، واستكمله الراعي في مقاربة سياسية للملفات غير الخلافية انطلاقاً من "التمييز بين ما هو متفق عليه، وما هو خاضع للتباينات السياسية المشروعة في وطن ديمقراطي يحترم الحريات والفروقات، مع المحافظة على وحدة الوطن واحترام ثوابته وصون مصالحه الاساسية" وفق ما جاء في بيان بكركي المقتضب والذي اشار الى لقاءات اخرى متممة كلما دعت الحاجة.
وإلى المشهد الجامع الذي ميّز اللقاء، اتسمت المصافحة التي جرت بين فرنجية وجعجع، لدى وصول الثاني إلى بكركي، بأهمية خاصة، وإن لم تكسر الجليد، حسب كلام عون، الا انها كانت بداية مشجعة، بادلها جعجع بإعطاء تعليماته إلى الدائرة الإعلامية في "القوات" بوجوب التعاطي مع التيار الوطني الحر وتيار "المردة" تماماً كما الكتائب والاحرار والكتلة الوطنية.
وبحسب مصادر مطلعة، فان الاجتماع انتهى إلى نتيجتين عمليتين، الأولى إرساء هدنة إعلامية بين القادة الأربعة، وتبعاً لذلك إشاعة أجواء تهدئة، على ان يبقى الخلاف السياسي ضمن اطره السياسية.
اما الثانية، فهي التأكيد على أمن المجتمع المسيحي، انطلاقاً من ثابتة مسيحية وهي انه لا يجوز للمسيحيين اللجوء إلى السلاح، وأن حماية المجتمع المسيحي يجب أن يبقى فوق كل خلاف، مثلما يجب الحفاظ في المقابل على التعددية في المناطق المسيحية، على أساس أنه خيار ديموقراطي يميّز هذه المناطق.
ولفتت المصادر إلى أن الجو الروحي الذي حرصت بكركي على إضافته على الاجتماع، ولا سيما في بدايته، والذي دفع عون إلى القول "بأنها بداية رائعة"، عكست نفسها على المداخلات السياسية، والتي تميّزت بالهدوء وبالود الذي كان مفقوداً.
وحرص البطريرك الراعي في استهلاليته على شرح الظروف الوطنية والمسيحية التي استدعت منه الدعوة إلى الاجتماع، مركزاً على وضع المسيحيين في لبنان والمنطقة، وضرورة الحفاظ على دورهم، داعياً إلى احترام المقاومات السياسية، وفي مقدمها مقام رئاسة الجمهورية، لافتاً إلى مجموعة قضايا ملحّة لا تشكل موضع خلاف، ومنها اللامركزية الإدارية وهجرة الشباب واقتراع المغتربين، وعدم بيع الأراضي لغير المسيحيين، داعياً إلى ضرورة تنظيم الخلافات السياسية بعيداً من الشارع الذي يعيش حالة تشنج لا نعرف إلى أين تؤدي.
ثم تعاقب على الكلام الأقطاب الأربعة، وكان أول المتحدثين العماد عون، وآخرهم جعجع، وشرح كل واحد خياراته السياسية، مدافعاً عن تموضعه السياسي، وخلص الجميع إلى ضرورة الاتفاق على قواسم مشتركة لتحصين مواقع الطائفة في الإدارة والتجنيس والتوطين والتغيير الديموغرافي وبيع الأراضي، كما اتفق على وضع ورقة عمل ستتولاها لجنة المطارنة الأربعة لعرضها على الاجتماع اللاحق والذي لم يتحدد موعده، كما اتفق على رفع ورقة عمل مسيحية مشتركة للقمة الروحية الاسلامية – المسيحية التي ستعقد في بكركي في 12 أيار المقبل.