واقعتان متزامنتان سجلتا الاسبوع الماضي في غمرة احداث سوريا. في الاولى أفادت السلطات اللبنانية انها ضبطت محاولة لتهريب اسلحة الى سوريا، وكان هذا خبراً جيداً لم نسمع مثيلاً له من الجانب السوري طوال عقود ماضية.
اما الواقعة الثانية فبثها التلفزيون السوري، وتضمنت "اعترافات" لثلاثة معتقلين ذكر اثنان منهم اسم النائب جمال الجراح باعتباره مصدر تمويل وتسليم لـ"المندسين" في صفوف المتظاهرين للقيام بأعمال تخريب.
تقتضي السذاجة الاعتقاد بأن المطلوب ان يعرف الجمهور السوري شيئاً او اشياء عن "المؤامرة" فيمتنع عن المساهمة فيها. اما النتيجة فهي ان التظاهرات في اسبوعها الخامس عمت عشر محافظات سورية.
ولا أي "مؤامرة" تستطيع اشعال انتفاضة مثل هذه معتمدة على مجازفة عموم الناس بحياتهم في بلد مثل سوريا. واثبتت تجارب تونس ومصر واليمن ان الانظمة غرقت في جرائم قواها الامنية، وقد قالت جميعا، كما قال الرئيس السوري وقبله الليبي ان هذه القوى "لم تكن معدّة" للتعامل مع تظاهرات سلمية، اي انها ملقنة استخدام العنف فحسب. وعندما لجأت هذه الانظمة الى نظرية المؤامرة كانت بذلك تعترف بأن الاحتجاجات هزتها وتحدّتها.
في الحال السورية يلاحظ التركيز المفرط في ربط "المؤامرة" بتلك الجهات اللبنانية. فحتى الاشارات الى اسرائيل، مثلا، او الى الولايات المتحدة ودول عربية، ظلت خافتة وغير جدية. فدمشق لم ترد تكرار خطأ الرئيس اليمني عندما اتهم اميركا ثم تراجع واعتذر. لكن بؤس الروايات المنسوبة الى اشخاص في 14 آذار يكمن في انها تستغل خلافا سياسيا معروفاً وتحاول اسقاطه على انتفاضة داخل سوريا باتت اكبر بكثير من ذاك الخلاف. اما الاكثر بؤساً فنجده في تلقف قوى 8 آذار للاتهامات السورية للعب بها في الصراع الداخلي. والواقع ان الطرفين يعرفان جيداً ان تلك الاتهامات مفبركة، بل انهما ينهمكان عليها، على رغم انها يمكن ان تشكل تمهيداً لما تنويه دمشق قريباً.
يخشى ان يكون السيناريو المقبل كالآتي: ايصال الاحتجاجات داخل سوريا الى مستوى يمكن احتواؤه وسط ممانعة داخلية لانهيار الاستقرار، حتى من قوى وفئات تريد اصلاحات جذرية، وكذلك ممانعة خارجية لسقوط النظام حتى من قوى تطالب النظام بتغيير سلوكياته. ويترافق مع ذلك عود الى خطط الفتنة المعدّة للداخل اللبناني عبر اشعال بؤر متجانسة طائفياً، سنية – سنية ومسيحية – مسيحية، ولا عجب فجديد السياسة السورية في لبنان هو قديمها. ولأجل ذلك يسعى الاتهام المقترح والمتصاعد لجهات لبنانية الى مراكمة "معطيات" مفبركة لصنع "قضية" تفجر الداخل اللبناني وفقاً لما كان مخططاً لمواجهة المحكمة الدولية واتهاماتها.
