قد يكون اليوم هو الفيصل في قراءة مجرى أحداث «الثورة» أو الأحداث السوريّة في ظلّ الدعوة إلى تظاهرة مليونيّة اليوم في مدينة حمص، وفي ظلّ استمرار دمويّة الأحداث بشكل محزن ودراماتيكي.
حتى الساعة وصل الذين خرجوا في تظاهرات سورية إلى نفس النقطة ـ المأزق الذي وصل إليه المتظاهرون الذين خرجوا إلى ميدان التحرير في مصر، وهي نقطة اللاعودة، في لحظة ما وبعد إطلالات متكرّرة للرئيس السابق حسني مبارك نفّذ فيها كلّ ما طالب به المتظاهرون، ولكن وبفعل القتل والاستفزاز المتكرّر وإعلان المتظاهرين خوفهم من اعتقالهم إن عادوا إلى منازلهم، فأدركوا أن ليس أمامهم إلا الاستمرار…
ما نتمنّاه حقيقة أن لا تصل الأمور في سورية إلى ما وصلت إليه في مصر، فالثورة وإن أسقطت النظام فلا يوجد أحد إلا وهو مدرك أن مصر فقدت الأمن بعد سقوط النظام، وهي تعيش مرحلة شديدة الضبابيّة، مصر اليوم ليست مصر الأمن والأمان ولا القاهرة التي ليلها نهار هي القاهرة التي لا يأمن أهلها على أنفسهم وعلى أولادهم لا نهاراً ولا ليلاً!!
وما نتمنّاه أيضاً وهذا السيناريو الأكثر إخافة أن تصل الأمور في سورية إلى ما وصلت إليه في ليبيا، سواء صدّق النظام السوري أنّ اللبنانيون لا يريدون إلا الخير لسورية وشعبها، أو لم يصدّق، فالأمر سيّان بالنسبة للبنانيين الذين اعتادوا على الريبة السورية والتوجس خيفة من لبنان والرغبة الدائمة في إبقائه تحت سيطرتهم، فاكتفوا بقلّة قليلة سواء أكانوا كتبة تقاريرهم المخابراتية في لبنان سابقاً والكتبة حالياً في صحفهم لتوريط من لم ينصع للرغبة السورية الجامحة في إعادة لبنان إلى «زريبة» المخابرات القديمة، أم كانوا البعض الآخر صاحب الأجندة الإيرانية الذين تشكّل لهم سورية معبر المال والسلاح، أم من بعض «لبّص» على كرسيّ الحكم 20 عاماً بفضل الدعم السوري الذي يفرضه!!
نقطة اللاعودة فيصلها اليوم، وبأمانة على الرئيس السوري أن يقرأ في ما يسمّيه المصريّون موقعة الجمال والبغال، يوم أطلقت على المتظاهرين في ميدان التحرير فنسفت الخطاب المؤثر الذي ألقاه مبارك وتعاطف معه الشعب، فإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين أسوأ بكثير من إطلاق الجمال والبغال والأحصنة لتدوس المتظاهرين وأكثر تحريكاً للرأي العام العالمي، ومجزرة واحدة كفيلة بقلب الأمور رأساً على عقب، وهذا ما حدث في مصر وفي تونس وفي ليبيا أيضاً وهذا ما حدث في اليمن أيضاً عندما خرج تصريح أميركي اشتم منه الرئيس اليمني أمان البقاء جالساً على كرسي الحكم فارتكب في اليوم التالي مجزرة عبر القناصة الذين أطلقوا الرصاص على رؤوس وقلوب شباب الثورة!!
التعاطي برويّة وبشفافيّة ومصداقيّة مع الشعب أقصر الطرق لحلّ الأزمات، وعراضة «شنّجليلة» اللبنانيّة التي تريد الزحف إلى سورية ستخلق شرخاً جديداً بين فريق لبناني وبين الشعب السوري الذي سيجد في هذه العراضة وقفة ضد تطلعات الشعب السوري التي اعترف النظام نفسه بمشروعيتها!!
«الأنظمة» في لحظات غضبها تكون «عمياء البصر والبصيرة» ومتحجرة المشاعر، العنف لن يجر إلا عنفاً، وكلما ارتفع عدد الشهداء وازدادت إراقة الدماء في شوارع المدن غرق عرش السلطة وغاص أمتاراً في الأرض إلى أن تلفظه وتخرجه من سياق خارطة حركة التاريخ، كل تجارب التاريخ أثبتت أن الشعوب باقية والأنظمة زائلة، وأنها «لو دامت لغيرك ما آلت إليك»، وأن الله تعالى قال وقوله الحقّ: «وتلك الأيام نداولها بين الناس»، وقال أيضاً لو كانت الأنظمة من الذين يؤمنون بالله ويتقونه: «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزّ من تشاء وتُذلّ من تشاء بيدك الملك» والشعوب ليست أكثر من سبب يسخرّه مسبّب الأسباب، ما نتمنّاه اليوم تحديداً أن لا تراق دماء السوريين وأن يخاطب الشعب السوري بغير نظرية المؤامرة التي احتار الإعلام السوري ومخابراته لمن يلبسون قميصها!!