عندما تمكّن الزعماء المسيحيون الأربعة من الاجتماع دونما ضجيج كبير، اعتُبر ذلك أمراً جيداً جداً، إنما في الوقت نفسه كانت هناك فعاليات عديدة جارية من أجل تعميق التأزم وتوسعته، وذلك من مثل اتهام الإعلام في سوريا لتيار سياسي لبناني بالمشاركة في الاضطرابات هناك· ومن مثل إصرار فُرقاء وأفراد في لبنان على الاتهام نفسه، وقبل الإعلام السوري وبعده· ومن جهة أخرى، فإن ثلاثة شهور تكاد تمضي على إسقاط حكومة الحريري، وتكليف ميقاتي، من دون أن تُبصر الحكومة الجديدة النور، رغم استمرار التبشير بظهورها أو ولادتها المجيدة، وآخر المواعيد التي أُعطيت لذلك، أن تتكوكب قبل الفصح! وظاهر أسباب تأخّر التشكيل المطالب الكثيرة للجنرال ميشال عون، والمطالب المتجددة لحلفاء سوريا وحلفاء الحزب الآخرين· إنما الواقع أن الظروف التي حصل فيها التكليف، تختلف اختلافاً شاسعاً عن الظروف الحالية· فقبل ثلاثة شهور كان المُراد كسر شوكة سعد الحريري وتيار المستقبل وقوى 14 آذار الأخرى، وإخراجها من الساحة السياسية، وبواسطة تحوّلات وليد جنبلاط والقدرات السحرية للرئيس نجيب ميقاتي· وفي الأسابيع الأولى حاول ميقاتي الذي كان قد جاء بدفتر شروط واضح، أن يستحدث بعض التوازن من طريق الاستناد إلى الثوابت الإسلامية، وإلى صلاحيات وحصة رئيس الجمهورية· ثم بدأت الوقائع تتوالى، والظروف تتغيّر: من البنك اللبناني – الكندي، إلى قوات درع الجزيرة بالبحرين، فإلى درعا وبانياس وبقية أحداث التحرّك الشعبي في سوريا، فإلى إصرار حماس على الانقسام في غزة والتهدئة مع إسرائيل، فإلى استمرار التظاهرات ضد المالكي بالعراق···
إلخ· وبذلك، فان إيران التي أظهرت جذلاً بالثورات العربية التي بشّرت في نظرها بحكم إسلامي على مثال الثورة الإيرانية في سائر ديار العرب، بدأت تواجه مشكلات في سائر مناطق نفوذها: في العراق وسوريا والبحرين وغزة··· ولبنان! وهكذا انقفل دفتر الشروط أو انفجر، وما عاد هناك غير حل واحد ووحيد: الذهاب إلى حكومة مواجهة وتحد، وبرئاسة ميقاتي أو غيره، تُبرز قوة الحزب وأنه مسيطر على الوضع بالبلاد، بخلاف مناطق النفوذ الإيراني الأخرى بالمشرق والخليج· إنما لو حصل ذلك، فإن الانقسام الحاصل سيزداد، وسيقع ضرر بالدولة والمجتمع يتعذّر إصلاحه في المدى المنظور!·
لكنْ، ما علينا! إن الظرف الآن يقتضي الخروج من الحزبية ومن التعصّب، ومن الزنقات التي لا مخرج منها أو لها· إن المصلحة الوطنية تقتضي الانصراف عن التحدي، وعن محاولة إثبات ما لا يمكن إثباته أو دوامه· لا شيء في المنطقة يبشّر بانفراجات أو لقاءات أو اتفاقيات· وكل طرف في المنطقة منشغل بنفسه إلى أقصى الحدود، وإنْ تظاهر بغير ذلك· وليس هناك أحد مهتم بالتوسط في لبنان وللبنان، ولا الأخذ والعطاء بشأنه· وفي الجانب الداخلي، فإن المشكلات المستعصية ازدادت استعصاء، ومن العدالة إلى السلاح إلى الصلاحيات التي يستلّ الجنرال عون سيفها ولا يشهره إلا في وجه فريق واحد وطائفة واحدة· ما عادت المواجهة أو حكومتها ممكنة أو معقولة، وأزمة الحكومة تتحوّل منذ مدة (وليس اليوم فقط) إلى أزمة حكم· ولذلك لا يبقى للبنانيين وعليهم إلا الالتفات إلى هذه البقية القليلة من الاستقرار، ومحاولة التشبث بها· لا بد من العودة – إن أُريد لبعض هذا الأمن أن يستمرّ، ولبعض هذه الدولة أن يستقر – إلى وصفة حكومة الوحدة الوطنية، والتي كان الرئيس سعد الحريري قد لجأ إليها رغم فوزه بالأكثرية في الانتخابات عام 2009· سيقول قائل: لكن كيف سيجري ذلك وسط ظروف الانقسام الحاد؟ وأرى أن ذلك ممكن بالعودة للحوار بين الفرقاء السياسيين، وهذه المرّة بدون وسطاء خارجيين، هم جميعاً الآن مأزومون أو مشغولون أو الأمرين معاً· والحوار وحكومته إن كانا، فلن يحلا المشكلات الصعبة أو المستعصية، لكنهما سيفرضان حالة من الهدوء والتشاور والاستنارة السياسية الموضوعية، وقد ألهانا عن ذلك كله من قبل وأصمّت أسماعنا قعقعة السلاح، وقعقعة الإعلام التجهيلي والاستثاري!·
لقد كانت لدى الحزب الشجاعة لمقاتلة إسرائيل، فلتكن لديه الشجاعة مرّة للاعتراف بأنه أخطأ بقطع الحوار مع خصومه السياسيين·
ولقد كانت لدى ميقاتي <الشجاعة> لاختراق إجماع ما اخترقه أحد منذ أيام سامي الصلح في أواخر الخمسينات، فلتكن لديه الشجاعة للقول الآن: لا استقرار إلا بحكومة وحدة وطنية، ومعي أو مع غيري، وبي أو بغيري!·
ولقد كانت لدى وليد جنبلاط <السلاسة> للتقلّب ثلاث أو أربع مرات خلال شهور قليلة، فلتكن لديه الشجاعة ليقول لرفقائه القدامى والجدد والجدد والقدامى: إن حكومة لكل اللبنانيين الآن هي أكبر خدمة للاستقرار في لبنان وسوريا، وفي سوريا قبل لبنان!·
ويا أيها الزعماء المسيحيون لقد كانت عندكم الشجاعة للاجتماع رغم الخلافات الكثيرة من أجل أمن المجتمع المسيحي، وأنتم تعرفون أنه لا أمن للمسيحيين بدون أمن سائر اللبنانيين، ولذلك فلتكن لديكم الشجاعة أيضاً للعودة إلى حكومة كل لبنان·
فلنستعد أجواء المهادنة الوطنية في طريق حكومة لبنانية مؤهلة لاستيعاب هذه الأزمة التاريخية بلبنان وجواره، وقد يُمهّد إجماع كهذا لاستعادة الدولة·