كتب ابراهيم جبيلي في "الديار":
فيما التطورات الداهمة تتنقل داخل الكيانات في المنطقة، فان القوى السياسية المحلية تعيش ترفاً تقطع به الفراغ والوقت الضائع، فتنصرف الأطياف المتحالفة داخل كل فريق الى «النقار» ولو بصورة خفية دون ان تثير الضجيج والفضائح كي لا يتأثر التضامن بين أبناء الصف الواحد، فالعماد ميشال عون الذي يعاني ظلم الحلفاء في عدم التماسك في مواجهة الرئيس المكلف، ومثله يرتاب المير طلال ارسلان من نيات حلفائه الذين تجاهلوا ونسوا بأن ازالة اثار 7 أيار تمت في دارته في خلده، كذلك فان الرئيس عمر كرامي الذي تليق به وحيداً صفة المعارضة السنية، يعاني الأمرين في توزير «فيصله». وهذا غيض من فيض عما هو حاصل لدى الأكثريين الجدد، أما قوى 14 آذار فإنها تعيش في اجازة طويلة، حيث يتسع لها الوقت «للشغل» في ما بين اعضائها، خصوصاً ان خلال عهد ادارتهم للحكم، لم يتسن لهذه القوى اجراء عملية نقد ذاتي او اعادة طرح الامور بالصراحة المطلوبة، وهي اليوم ستكون مضمون المقالة، وإن حفلت بالتعابير الفجّة والقاسية، لاننا نوردها كما جاءت على ألسنة مردديها.
فالنائب السابق غطاس خوري كان أشد صراحة وإيلاماً من غيره، وقد يعمد في الغد الى النفي، حرصاً منه على التضامن وعلى عدم ارباك بيت الوسط مجدداً، لكن الأهم هو أن النائب خوري اتهم الاحزاب المسيحية داخل فريقه معتبراً أن الكتائب والقوات «يتمقطعان» بنا، فهم «يربّحون حلفاءهم الجميل» وفي مواسم الانتخابات يفرضون مرشحيهم نوابا، ففي الشوف مثلا النذورات لهم فيما العمل وتأمين الخدمات علينا، فأين هو نائب الاحرار؟ ومن منكم شاهد النائب جورج عدوان في القضاء، وكي لا يساء فهم النيات الحقيقية لغطاس خوري فإنه يغادر قضاء الشوف ليطالب بتشكيل جبهة وسطية داخل قوى 14 آذار وهي السبيل الوحيد لإدخال عدد من الراغبين الجدد، فالوزير محمد عبد الحميد بيضون يرضى بالانضمام الى فريق وسطي داخل فريقنا لكنه بالتأكيد يرفض ان يكون عضواً في فريق 14 آذار.
ولأن المعارضة الجديدة متفرغة والوقت يسمح لها بممارسة شتى أنواع النقد اللاذع والصريح فان النائب السابق غطاس خوري قرر الابتعاد عن أموره الشخصية، وبأن الأحزاب المسيحية «شلحته» المقعد النيابي وهو من حقوقه المكتسبة، ليعيد الوضع الى وصف احوال فريق الاكثرية السابقة، وإتهام الاحزاب المسيحية بأنها اختارت وزراءها لتمثيلها في حكومة الرئيس سعد الحريري بطريقة عشوائية فيما النائب ميشال عون أدخل وزراء «مقاتلين»، فظهر الفارق كبيراً في التمثيل المسيحي بين كلا الطرفين، فالوزير ابراهيم نجار الذي «يخجل» بانتمائه القواتي أضحى وزيراً لدى الرئيس نبيه بري، ولطالما شوهد في عين التينة فيما ندرت زياراته الى معراب، اما الوزير سليم ورده الذي كان عوني الهوى، أحضر على عجل، محملاً بثقافة لا تفيده اذا قرر «قتال» جبران باسيل أحد خيارات العماد ميشال عون.
ويستمر غطاس خوري في عملية النقد الذاتي للفريق الذي ينتمي اليه، فيسأل لماذا الدكتور جعجع «مربِّح حالو جميلي» لقد وضعت الامكانيات كلها في تصرفه، المالية والمعنوية، فلماذا لا ينظم احواله واحوال حزبه ليواجه العماد ميشال عون بدل التلهي في تحصيل بعض المكاسب الانتخابية من حلفائه، فهو استطاع ان «يفرط» كتلة نواب زحله بالقلب عندما انضم الى القوات اللبنانية ثلاثة نواب منها، فيما المدينة البقاعية لا تقوى على اللون الحزبي داخل احيائها. وأما عن كتلة نواب القوات فان جميع نوابها يلتزمون صمت «أبو الهول» في الاستحقاقات المفصلية، فالنائب جورج عدوان نائب رئيس الهيئة التنفيذية غائب في معظم الأحيان عن الشاشة وعن السمع، والنائب فريد حبيب صاحب «الهمة» المثقلة بالتعب لا يقوى ضدّ «فجور» الآخرين من النواب الخصوم، وحده انطوان زهرا يسدد بتصاريحه المتقنة والوافية، جميع النقاط رداً على حملات التحامل، وهو يرفع على منكبيه العريضين كل أنواع التحدي لأي معتد أو جان.
ولأن الأفرقاء داخل قوى 14 آذار، ينتظرون عودتهم الى الحكم بفارغ الصبر فان الوقت لا يزال متاحا للمصارحة بين مختلف الاطياف المتآلفة، فالأمانة العامة لقوى 14 آذار مثلا دخلت حالياً عصر «البيروسترويكا»، قررت الكتائب اللبنانية من خلاله اعادة الأمور داخلها الى النصاب المطلوب والمفروض، وهي لن ترضى بعد الآن ان يستمر أمينها العام النائب السابق فارس سعيد، مرشداً وحيداً، يطلق من على طاولة الأمانة العقيدة، ويوزع الدليل السياسي على القيادات، ويضع خريطة الطريق للتحرك الجماهيري في المناسبات.
واللقاء المتفجر الذي عقد في مكتب الوزير ميشال فرعون أثبت ان كل مجموعة تغني على ليلاها، فالنائب السابق فارس سعيد قرّر ان يسجل على الكتائب بعض النقاط رداً على محاولاتها تفكيك «أمانته العامة»، فسأل الكتائبيين: لو ترشح شاكر سلامه في كسروان بدلاً من سجعان قزي، ألم يحقق ذلك الفوز لمرشحكم؟ سؤال أعقبه كلام تهكمي لأن مجموعة من الدروز الوسطيين حضروا اللقاء، فعلق سعيد: انشاء الله ما تتخلوا عنهم كما فعلتم مع «الشيعة» الذين حضروا في أوقات سابقة متفاوتة ليتبين لاحقاً أنكم لا يتمسكون جيداً مع الخارجين من طوائفهم. هنا ردّ النائب الياس عطالله بصوته الجهوري والغاضب: بيكفّي يا فارس، أنت فوتّنا بالحيط. لأجلك خضنا المعارك مع حزب الكتائب، لنجدك مؤخراً تجتمع وتفاوضهم في دارة الرئيس فؤاد السنيورة، وأردف عطالله: أرجوك، لا تعطينا النصائح فأنت اتخذت 14 آذار منبراً سياسياً لك. ونحن بتنا متأكدين بأن سمير (فرنجيه) يخطط وأنت تنفذ، هذا الوضع سينتهي وإن الأمانة العامة ستقفل أبوابها موقتا بانتظار انتهاء أعمال الديكور.
وفيما الاجتماعات مستمرة في مكتب الوزير ميشال فرعون فان التجاذب حاليا على أشده حول المكان الذي سوف تنتقل اليه الأمانة العامة، وان المجتمعين قرروا اعتماد مبدإ المداورة بين المقرات للأحزاب والقوى السياسية الحليفة داخل فريق 14 آذار، وهنا يعمل الوزير ميشال فرعون على اقناع الجميع باعتماد مكتبه مقراً دائماً للأمانة العامة على اعتبار ان فرعون هو وسطي وهو الذي استطاع ان يؤمن الانتصار للائحة 14 آذار في بيروت رغم ان فرعون يعتبر ان جعجع «شريك مضارب»، حاول في الاشرفية اقحام ريشار قيومجيان في لائحتنا، لكن ذلك لم يحصل لأن حسابات الربح والخسارة فرضت ابعاده، واللافت ان جعجع تحول الى مرجعية على قاعدة" هوّي فوق في معراب ونحن تحت في بيروت. فيما الواقع ان نشاطنا الانمائي والخدماتي بين جمهورنا والناخبين هو الذي حقق الانتصار في الأشرفية، القضاء الذي استمات العماد ميشال عون لتحقيق الفوز فيه ولو بنائب واحد.
الكلام يطول وحملات الانتقادات لا تنتهي، لكن سنكتفي بهذا القدر، ننتظر من الذين وردت اسماؤهم اعلاه، النفي، وعندئذ سنبني على التوضيحات المقتضى وتجبرنا على إكمال سرد الصراحة التي يتداولها ابناء الصف الواحد داخل المعارضة الجديدة، فالأزمة والنقد هما داخل الأحزاب المسيحية في فريق 14 آذار، فيما يؤكد البعض، الخبراء في العمل الجبهوي بأن تيار المستقبل يوزع بصماته بين القوى المتصارحة والمتصارعة علّه بذلك يرتاح من دلع بعض الأحزاب التي لا تنفك ليل نهار من «تربيح الجميل» بأننا معك.
في الوقت الضائع، وفي زمن الفراغ والخواء السياسي، تعيش الاحزاب المسيحية داخل تجمعاتها حالات من الترف السياسي، العونيون «يحوشون» ما طاب لهم من حقائب وزارية وحصص وازنة، والأحزاب المسيحية داخل قوى 14 آذار «تحصّل» ما طالت اليها يدها من دعم مالي ومعنوي، فيما حلفاء المسيحيين، المعارضين والموالين، يتقاسمون وطناً بات فيه المسيحيون قيمة ليست مضافة.