يوماً بعد يوم. وخطاباً تلو خطاب، و"مهرجاناً تضامنياً تلو مهرجان، و"اعترافات" متلفزة تلو اعترافات، وتبنّ للافتراءات تلو آخر، ومخالفة بناء تلو مخالفة.. يتأكد لعموم الشعب اللبناني الكريم (وعقيلته) ان هناك أساساً مركزياً تتفرع منه باقي تلك الهوامش. وان هذه ما كانت ممكنة لولا ذاك. كما ما كان ممكناً لولاه مسح ما تبقى من هيبة صورية للسلطة وقوانينها المعلّقة على حبال الفجور حتى إشعار آخر..
تتأكد وتترسخ (وتتناسل) الازدواجية التي أوجدها أهل السلاح باسمه أولاً وأساساً.. واستناداً الى تلك الصورة، أخذ الباقون أقلامهم وبدأت مسابقة الرسم:
من وزير مبدع في تخطي صلاحياته وخرق كل قانون نافذ في الجمهورية اللبنانية، الى حد ان البعض راح يفكر بالتفتيش له عن قوانين في دول أخرى من أجل خرقها وإكمال هوايته المريضة! الى سجين مُجلٍّ قرر أن يتمرد بحثاً عن عفو، فيما الأحكام الصادرة بحقه تكفي طابوراً من المهربين واللصوص والمزورين والمجرمين! الى جَشِع يفترض ان الأملاك العامة مشاعاً سائباً حلالاً له ولذريته من بعده حتى يرث ربّ هذه الدنيا الدنيا وما عليها! الى موتور منتحل صفة رجل سياسة لم يترك مؤسسة أو دائرة رسمية شرعية إلا وتطاول عليها وعلى أعمالها! الى "غلطة" مشهودة سميّت وزيراً فَرَاحَ يتصرف وكأنه أبو الدستور، يأخذه أينما يشاء وكيفما يشاء، ويلبسه لكل مقام تفسيراً! الى الكوارث البيئية والغذائية المكشوفة والمستورة والمنتشرة كالفطر المسموم في غابة فالتة بلا رقابة ولا حماية! الى آخر ما يمكن ان يخطر في بال أي ساكن في دولة جار عليها الزمان وبعض أهلها فما بقي منها إلا الاسم والعلم! (حتى النشيد الوطني صار موضع التباس فظيع).
ذلك وغيره الكثير، إنما هو وليد فكرة مركزية طاغية، تفيد بأن ازدواجية السلاح نخرت في بنيان الدولة أساسها ومركزيتها. أنهت حصريتها في مجال الأمن والعسكر، فامتدت تلك السوسة الى كل مجال آخر.
استوطنت في العقل، عند أفراد وجماعات، فكرة ان الدولة كيان ملتبس. ومثلها كل ملحقاتها: أهم مقومات الدولة دستورها والقوانين الملحقة والمتممة، وأهم مقومات تلك القوانين سلطتها والقدرة على التنفيذ، وأهم مقومات التنفيذ أدواته الأمنية والعسكرية، وأهم مقومات تلك الأدوات السلاح الشرعي..وهذا صار معطلاً أو رديفاً متمماً لسلاح آخر!
من ذلك الجذر تفرّع الهريان وطال، ويكاد يأخذ في طريقه الآتي من الأيام والسنين بعد أن أخذ الماضي والحاضر معاً.
أجيال تشبّ وتنمو على ذلك النسق. وذلك المناخ. وتلك الاستباحة لمقومات النظام. وذلك الإذلال المهين لمفهوم السلطة الشرعية الجامعة. وأخطر ما في ذلك الصلف كله هو دمغة بفعل المقاومة. بحيث لا تصير هذه ولا تكتمل إلا إذا دُعست فكرة الدولة وهُرِست في مطحنة الكلام والممارسة سواء بسواء!
تنوص لمبة الدولة، ويعمّ سواد الغابة وعتم الدويلة. زمن صعب والعمى طافح! والسلام.