21 نيسان 1994، ما زلتُ أتذكّر كل تفاصيل الاضطراب والقلق وحملة الشائعات الاستخباراتيّة التي استهدفت أيامها سمير جعجع ليلاً ونهاراً، ولم يتنبّه اللبنانيّون لهذه التقنيّة التي استخدمها النّظام الأمني الذي أُعدّ لتطويق لبنان ومحاصرة رجاله، حتى بدا واضحاً فجّاً مع الحملة التي استهدفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبيل اغتياله المفجع، أو كتلك التي يحاولون بها اليوم تطويق تيّار المستقبل في عملية توظيف استخباراتية فاشلة، إلى حدّ يدفع المرء للتساؤل: أيّ أجهزة غبيّة هذه التي لا تطوّر أساليبها وتتطوّر بتطور الزمن؟!
ويحتاج اللبنانيّون إلى إعادة قراءة للأحداث منذ يوم 21 نيسان 1994، يوم اقتيد سمير جعجع برضاه ليقبع في زنزانة دخلها كقائد حزب انخرط في اتفاق الطائف لإنهاء الحرب، ونفّذ ما عليه صادقاً فحلّ ميليشيا القوات لتتحوّل إلى حزب سياسي، وعندما رفض مراراً فخّ الوزارة للزجّ به في حلقة شبهات الفساد وتوريطه بها، فكان أكبر من كلّ الكراسي التي عرضت عليه لإغرائه، ومع مطالبته الدائمة بالالتزام بتطبيق بنود اتفاق الطائف يأسوا من استمالته ومحاصرته بلقب معالي الوزير، اختار السجن على التفريط بلبنان وباتفاق إنهاء الحرب اللبنانيّة والدخول في بناء الدولة، وظنّ سجّانوه أنهم برميه في غياهب السجن سيؤول حاله إلى زهد الناس فيه ونسيانه، فكانت النتيجة على طريقة المتنبي في قوله: «تخلّى عن الدُّنيا ليُنسى فما خَلَتْ/ مغاربُها من ذِكْرِهِ والمشارقُ».
أثبت العقديْن الماضيين صحّة مواقف وخيارات سمير جعجع، فالرّجل غادر زنزانته «قامة مسيحيّة» شامخة، ليتابع اللبنانيّون مسيرته عن كثب فأدركوا أن في لبنان رجلٌ لا يتراجع عن مبدأ ولا يتنازل عن حق ولا يكذبُ على الناس وعلى نفسه، وفي سنوات قليلة غدا سمير جعجع «قامة وطنيّة» تضاهي قامة رجال الدولة القلائل في لبنان، وربما يزيد عنها بأنّه صاحب فكرٍ ورؤية سياسيّة حقيقيّة، منذ زمن طويل لم يحظَ لبنان برجل سياسة صاحب فكر سياسي، ربما منذ اغتيال كمال جنبلاط لإنهاء تجربة السياسي صاحب الفكر الفلسفي الإنساني العميق على جميع مستوياته .
لم يعد تاريخ 21 نيسان 1994 يخصّ القوات اللبنانيّة وحدها، لقد أصبح يوماً يعني كلّ اللبنانيين وإن تأخروا حتى العام 2005 ليدركوا أنه باختيار سمير جعجع دخول السجن كان الرجل مدركاً أنه ومن هذه الزنزانة لا بدّ من أن يولد نيسان يزهر حريّة للبنان، وقد يكون وحده أدرك هذا الأمر وقبل وقوعه عليه فعندما حثّوه على مغادرة لبنان كانوا يخيّرونه بين الفرار والسجن، والرّجل اشتهر بشجاعته في زمن الحرب فكيف يقبل بأن يقدّموه بمظهر الجبان في زمن السّلم؟!
و»حضرة» الدكتور سمير جعجع كما جاء تعريفه في البيان الرسمي الختامي لقمة بكركي السياسيّة الرباعيّة التي انعقدت في ظل هذا التاريخ، فجاءت لتؤكّد مقولة الرّجل: «ما بيصحّ إلا الصحيح»، ومرّة جديدة أثبت جعجع أنه رجل دولة ومسؤول من طراز حقيقي لا مزيّف من التابعين الذين تعجّ بهم الساحة اللبنانية، ففور انتهاء قمّة بكركي الرباعيّة لقيادات الموارنة، سارع إلى تقديم بادرة حقيقية بالتعاطي إعلامياً بما يليق وانعقاد اللقاء وإيجابيته وباحترام الصرح والبطريرك الذي رعى القمة وبما يليق بقائد يتعاطى بوجه ولسان واحد مع القضايا اللبنانيّة الكبرى .
و»حضرة» الدكتور سمير جعجع الزاهد بمناصب السياسة، نطالبه وبصدق أولاً؛ بأن يتقدّم صفوف المفكّرين في فلسفة السياسة والدولة، وبصدق نقول ندرة هؤلاء أصبحت مخيفة في لبنان، علّه يخصّص من وقته ساعات للكتابة والمحاضرة في هذا الشأن، وهو مطالب ثانياً بأن يوسّع نطاق لقاءاته الشعبيّة لتشمل كل ألوان الطيف اللبناني، فهو رجل دولة ثانياً، وهو أوّلاً نتوسّم في صبره وعمله الدؤوب ورؤيته المنفتحة الأفق وطموحه العقلاني الرصين غير متوحّش الهوى أو الرغبة، نتوسّم فيه مشروع رئيس للبنان، قد يعوّض به لبنان ما خسره خلال أربعة عقود من تاريخه في تقديم نموذج حضاري في الديموقراطيّة البرلمانيّة الحقيقيّة والعمل السياسي، من دون أن يؤدي بنا الاختلاف إلى مهالك ومهاوي الانقسام بسبب الخلاف، فالذين يقودون في الحرب هم أجدر بمعرفة قيمة السلام والدولة.
أخيراً؛ إلى الرّجل الشغوف بالأدب كشغفه في فلسفة الفكر الإنساني، أبيات للمتنبي لأنّه لطالما لجأ إلى أبياته في خطابات مفصليّة من مصير لبنان خلال الأعوام الماضيّة، وبالإذن من كلّ كارهي صلابة شجاعته ورسوخه على استقلال وسيادة وحرية لبنان، وبالإذن من كلّ ثورات المنطقة وثوّارها ففي لبنان رجال سبّاقون توّاقون حاربوا وقاوموا ودافعوا عن لبنان يوم كان العالم يُغمض عينيهِ وشاهد صمت وزور عمّا يُحاك للبنان وشعبه:
يرى الجبناءُ أنَّ العجزَ عقلٌ وتلكَ خديعــةُ الطبــعِ اللئـيمِ
وكلُّ شجاعةٍ في المرءِ تُغني ولا مثلُ الشجاعةِ في الحكيمِ
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفتُـــهُ منَ الفَهْـــــمِ السقيــمِ
